بحث عن بحث

 

 

القرآن الكريم رفعة لصاحبه في الدنيا والآخرة(1)

 

 

روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عامر بن واثلة ، أن نافع بن عبد الحارث ، لقي عمر بعُسفان ،وكان عمر يستعمله على مكة ، فقال : من استعملت على أهل الوادي ؟ فقال : ابن أبزى ، قال : ومن ابن أبزى؟ قال : مولى من موالينا ، قال : فاستخلفت عليهم مولى ؟ قال : إنه قارئ لكتاب الله عز وجل ، وإنه عالم بالفرائض ، قال عمر : أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال : ( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ، ويضع به آخرين )

تخريجه :

أخرجه مسلم ، كتاب صلاة المسافرين وقصره ، باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا حسد إلا في اثنتين ) وقوله ( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ..)( 817)، وابن ماجه ، المقدمة ( 218 ) وأحمد ( 1 / 35 ) وابن حبان ( الإحسان ( 772 ) والدارمي ( 3368 ) وعبد الرزاق في المصنف ( 30944 ).

الشرح والبيان:

في هذا الحديث الشريف فضيلة أخرى من فضائل القرآن الكريم ، وهي رفعة صاحبه الذي حفظه وفقهه وعمل بما فيه ، فقد لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه نافع بن الحارث ، وكان قد جعله أميرا على مكة ، لقيه بعُسفان ــ موضع بين مكة والمدينة ، وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل ــ فقال له عمر : من استخلفت على أهل الوادي ؟ أي أهل مكة ، فقال له نافع بن الحارث : استعملت ابن أبزى ــ وهو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي ، وهو من أواخر صغار الصحابة ، كان مولى لنافع بن الحارث ، وكان في عهد عمر رجلا ، وكان على خرسان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ــ قال عمر : ومن ابن أبزى ؟ قال نافع : مولى من موالينا ، قال عمر : فاستخلفت عليهم مولى ؟ بتقدير همزة الاستفهام ، أي أفاستخلفت ألخ ، والاستفهام للإنكار ، وليس إنكار عمر رضي الله عنه توليته عليهم ، استخفافا به واحتقارا له ، وإنما أنكر فوات غرض التولية ، وذلك أن المقصود من التولية ضبط أمور الناس ، وسياستهم ، وهذا يحتاج أن يكون المولَّى عليهم رجلا مهابا ، له عظمة وشرف في قلوب العامة ، وذلك أن يكون حرا نسيبا ذا وجاهة ، وإلا استخفوا به ، ولم يطيعوه ، فيفوت بذلك غرض الولاية .

قال نافع مبينا سبب توليته عليهم ، وأنه مؤهل لذلك ، إنه قارئ لكتاب الله تعالى وعالم به ، كما أنه عالم بقسمة المواريث ، وأيضا هو عالم بالقضاء ، فقد جاء في رواية النسائي ( قاض ) ، والمعنى : أن هذا الأمير رفعه الله تعالى عليهم  بهذه الأمور ، وهم يعرفون منه ذلك ، فيحترمونه ، ويعظمونه ، ويطيعون أمره ، فتستقيم أمورهم ، وتستقر باستخلافه أحوالهم .

فقال عمر رضي الله عنه مستحسنا فعل نافع ، وأنه قد ولى عليهم من يستحق الولاية ، أما إن نبيكم قد قال ( إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ) أي يرفع درجة أقوام بسبب الإيمان به ، وتعظيم شأنه ، والعمل به ، في الدنيا ، بأن يحييهم حياة طيبة ، كما قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)[ سورة النحل /997 ]  ، وفي الآخرة بأن يجعلهم (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً)[سورة النساء / 69]  ( ويضع به آخرين ) ، وهم الذين لم يؤمنوا به ، أو آمنوا ، ولم يعملوا به ، كما قال تعالى : (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) [ سورة البقرة / 26] وقال (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً)[ سورة الإسراء / 82] ومعنى يضع به آخرين ، أي يحقرهم ، ويصغر قدرهم في الدنيا الآخرة ، بسبب إعراضهم عنه ، وعدم عنايته به ، وتضييعهم حدوده ، وجهلهم بما فيه .