بحث عن بحث

 

ثواب من يعلم أولاده القرآن

تعليم القرآن العظيم للأولاد الصغار سنة متبعة عند سلفنا الصالح رضي الله عنهم أجمعين :

روى البخاري عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُفَصَّلَ هُوَ الْمُحْكَمُ قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَقَدْ قَرَأْتُ الْمُحْكَم(1) .

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ لَهُ : وَمَا الْمُحْكَمُ ؟ قَالَ الْمُفَصَّلُ(2)

قال ابن كثير :" فيه دلالة على جواز تعليم القرآن في الصِّبا، وهو ظاهر، بل قد يكون مستحبًّا أو واجبًا؛ لأن الصبي إذا تعلَّم القرآن بلَغَ وهو يعرف ما يصلي به، وحفظُه في الصِّغَرِ أولى من حفظِه كبيرًا، وأشد علوقًا بخاطره، وأرسخ وأثبت، كما هو المعهود في حال الناس "(3)

وقال ابن كثير أيضا : فيه دلالة على جواز تعليم الصبيان القرآن لأن ابن عباس أخبر عن سنه حين موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان جمع المفصل ، وهو من الحجرات ، وعمره إذ ذاك عشر سنين(4)

وكان بعض الشيوخ من المحدثين لا يقبل في حلقة درسه من الطلاب إلا من درس القرآن أولا .

قال حفص بن غياث : أتيت الأعمش  فقلت حدثني .

قال : أتحفظ القرآن ؟ قلت : لا .

قال : اذهب فاحفظ القرآن ثم هلم أحدثك .

قال : فذهبت فحفظت القرآن ثم جئته فاستقرأني فقرأته فحدثني(5)

وقال الزرهوني تعليقا على تبويب البخاري :" باب تعليم الصبيان القرآن :

 أي جوازه، بل هو حسن لأنه أدعى إلى ثبوته ورسوخه عنده، كما قيل: " التعلم في الصغر كالنقش في الحجر"(6)

وقال بعض الباحثين :" أساس حفظ القرآن الكريم هو التلقين، وليس القراءة من المصحف، وهذا يفيدنا بأنه ليس من شرط الذي يلتحق بحلقة القرآن الكريم أن يجيد القراءة والكتابة، بل شرطه صفاء الذهن، والرغبة، والحافز الذي يدفعه إلى حفظ القرآن الكريم، ولذا ينبغي أن تكون في كل جمعية أو معهد لتحفيظ القرآن الكريم حلقة خاصة بالتلقين للصغار الذين بلغوا الخامسة من العمرولم يتعلموا القراءة والكتابة بعد.

ويقوم معلمو القرآن الكريم بتلقينهم الآيات وتكريرها لهم حتى يحفظوا قسطهم اليومي أخذا من قول النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -: (ماأنا بقارئ)، ومن تكرار جبريل - عليه السلام - لتلك الآيات التي فيها الحث على القراءة باسم الله -سبحانه وتعالى- الذي بيده كل خير -سبحانه وتعالى-.

وتعليم الأطفال وتلقينهم القرآن الكريم من أفضل ما يبدأ به المربون تربيتهم للأطفال، حيث ذكر البخاري في فضائل القرآن (باب تعليم الصبيان القرآن) حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: ( جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ وَمَا الْمُحْكَمُ قَالَ الْمُفَصَّلُ ).

قال الحافظ: وأخرج ابن أبي داود بإسناد صحيح عن الأشعث بن قيس أنه قَدَّم غلاماً صغيراً، فعابوا عليه ذلك، فقال: ما قدمته، ولكن القرآن قدمه.(7) اهـ.

ويقول الشيخ عبدالله سراج الدين:( ينبغي لولي الصغير والصغيرة أن يبدأ بتعليمهما القرآن منذ الصغر ، وذلك ليتوجها إلى اعتقاد أن الله تعالى هو ربهم ، وأن هذا كلامه تعالى ، وتسري روح القرآن في قلوبهم ونوره في أفكارهم ومداركهم وحواسهم وليتلقيا عقائد القرآن منذ الصغر وأن ينشأ على محبة القرآن والتعلق به ، والإئتمار بأوامره والإنتهاء عن مناهيه ، والتخلق بأخلاقه ، والسير على منهاجه .

قال الحافظ السيوطي : تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام ، فينشأون على الفطرة ، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة ، قبل تمكن الأهواء منها وسوادها بأكدار المعصية والضلال .

وأكد ابن خلدون هذا المفهوم في مقدمته  بقوله : ( تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين أخذ به أهالي الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم لما يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده بسبب آيات القرآن ومتون الأحاديث ، وصار القرآن أصل التعليم الذي يبني عليه ما يحصل بعد من الملكات (8) .


(1) أخرجه البخاري ، كتاب فضائل القرآن ، باب تعليم الصبيان القرآن ( 5035 )

(2) المصدر السابق ( رقم 5036 ).

(3) فضائل القرآن ص 226 .

(4) تفسير ابن كثير 1 / 74 .

(5) أصول الحديث لعجاج الخطيب ص 107 .

(6) الفجر الساطع 7 / 30 .

(7) أوراق الملتقي الثالث لجمعيات تحفيظ القرآن 33 / 9 .

(8) تربية الأطفال في الحديث الشريف ص 156 .