بحث عن بحث

 

 فضائل تلاوة القرآن الكريم (1-2)

وقفات مع حديث ابن مسعود رض الله عنه :

ويشير حديث ابن مسعود السابق في فضل تلاوة القرآن الكريم إلى عدة أمور:

الأول : أن في تلاوة كل حرف من كتاب الله عز وجل عشر حسنات ، وهذا هو أقل التضاعف الموعود بقوله تعالى :( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) [ الأنعام : 160 ]. (وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )[ البقرة : 261 ]، ولا شك أن زيادة الأجر ومضاعفته تتناسب وحال القاريء من الإخلاص والخشوع والتدبر والتأدب مع كتاب الله تعالى .

ولذا قال أبو ذر رضي الله عنه : قال رسول الله صلة الله عليه وسلم :( يقول الله عز وجل : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ، ومن جاء بالسيئة ، فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر )(1)

قال الإمام النووي : " معناه أن التضعيف بعشرة أمثالها لابد منه بفضل الله ورحمته ، ووعده الذي لا يخلف ، والزيادة بعد بكثرة التضعيف إلى سبعمائة ضعف وإلى أضعاف كثيرة ، يحصل لبعض الناس دون بعض ، على حسب مشيئته سبحانه وتعالى(2).

ولا نكاد نجد ذكرا ينال صاحبه مثل هذا الأجر به كما ينال من يتلو القرآن ، فمن قرأ سطرا أو وجها أو جزءا كم سيحصل عليه من الحسنات ؟

وإذاعلمنا لأن الناس يتنازعون يوم القيامة على حسنة واحدة يثقلون بها موازينهم أدركنا عظمة هذا الأجر الذي ينتظر من يتلون كتــاب الله حق تلاوته .

وإذا تأملنا حال الطالب الذي يستغرق في دراسة كتاب مقرر عليه عشرات الساعات ، وربما العديد من الأيام والأسابيع ، ثم يعيده ويلخصه ويراجعه ، وقد يحفظ معظمع غيبا أو شبه غيب ، ليحصل على الدرجة الكاملة يحقق بها جزءا من النجاح في أمر دنيوي ،وقد لا ينجح في مسعاه ، أليس من الجهل وعمى البصيرة أن ينصرف المسلم عن تلاوة القرآن العظيم ، وفيه من الخيرات والبركات الدنيوية والأخروية ما فيه ؟ وهي مضمونة ومكتوبة له عند رب العالمين .

ثانيا : يقول الله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ) ]هود : 114 [ . ويقول في التائبين العاملين : ( إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) ]الفرقان : 70 [  . فبفضل ما يتلوه المسلم من كتاب الله تعالى ، وبما يكتسبه من حسنات مضاعفة ، قد يمحو الله ما اكتسب من أوزار ومعاص .

فكل ابن آدم خطاء ، ولا أحد ينجو من ارتكاب سيئة أو سيئات ، أو الوقوع في ذنب صغير أو كبير ، فالمسلم بحاجة دائمة ليكفر عن ذنبه ، بل ويبدل الله الكريم سيئاته حسنات ، خاصة إذا توافرت منه شروط التوبة من جهة ، وشروط التلاوة المطلوبة من جهة أخرى .

ثالثا : كلما ازداد المؤمن استكثارا من التلاوة ازداد رقيا عند الله عز وجل . وتحول من صفة ومنزلة إلى منزلة أعلى وأعظم :

فعن تميم الداري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة ) (3) .

قال المناوي رحمه الله : " أي: عبادتها " (4) .  

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي لله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين) (5) .

ومعنى :( كتب من القانتين ) أي من الطائعين الخاشعين المصلين .

ومعنى :( كتب من المقنطرين ) أي المالكين مالا كثيرا ، والمراد كثرة الأجر . وقيل : ممن أعطي أجرا عظيما (6) .

وقد يبدو لأول وهلة أن قراءة ألف آية في اليوم من الأمور الصعبة ، ولكن عندما نعلم أن تلاوتها لا تستغرق من أحدنا أكثر من ساعة ونصف تقريبا ،بتلاوة متأنية ندرك أن ذلك ليس من الصعوبة في شيء .

فآخر جزءين في القرآن الكريم : (تبارك . وعم ) قرابة ألف آية(7).

رابعا : إن تلاوة القرآن العظيم تزداد وتعظم إذا كانت في الصلاة ، كما مر بنا في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الآنف الذكر .

ذلك أن التالي في الصلاة يجمع أكثر من أجر في وقت واحد ، فله أجر الصلاة ، وأجر الذكر ، وأجر التلاوة ، ويتضاعف ذلك مع التدبر والخشوع وحضور القلب .

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم الأجر الكبير الذي يفوز به القارئ في صلاته بمثال جميل معبر :

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أي يجد فيه ثلاث خلفات (8) عظام سمان ؟ ) . قلنا : نعم . قال :( فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته ، خير له من ثلاث خلفات عظام سمان ) (9).

فلأن يقرأ المسلم آية من كتاب الله في صلاته خير له من أن يتصدق بناقة حامل عظيمة سمينة ، وآيتين خير له من ناقتين ، وثلاثا خير له من ثلاث . وكأنما تلد الحسنات الحسنات ، والله يضاعف لمن يشاء ، والله واسع عليم . نسأل الله الكريم من فضله وجوده وكرمه (10).

________________

(1) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ( 2687 ).

(2) شرح النووي على مسلم ( 17 / 14 ).

(3) رواه أحمد في المسند ، (4/ 103 ) ، (ح16555 ) . والدارمي في سننه ، (2/ 337 ) ، ( ح3450) . والنسائي في " الكبرى " ، (10553) ـ وهو في عمل اليوم واللية (717 ) ـوقال الألباني في صحيح الجامع ( 2/ 1103 ) ، ( ح 6468 ) : " صحيح " .

(4) فيض القدير شرح الجامع الصغير ، ( 11 / 5951 ) .

(5) رواه ابن خزيمة في صحيحه ، (2/181 ) ،( ح 1144 ) . وابن حبان في صحيحه ، (6/ 310 ) ، ( ح 2572 ) . وأبو داود في سننه ، ( 2/ 57 ) ، ( ح 1398 ) . وقال الألباني في صحيح  سنن أبي داود ، ( 1/ 263 ) ، ( ح 1246 ) : " صحيح " . 

(6) انظر : عون المعبود شرح سنن أبي داود ، (4/ 192 ) .

(7) بلغ عدد آيات جزءي " تبارك ، وعم " برواية حفص عن عاصم الكوفي رحمه الله : (995 ) ، فإذا أضفنا عدد آيات سورة الفاتحة ـ وهو ركن في الصلاة ــ تجاوز العدد (1000) آية .

ولا يعني ذلك أن يقتصر المسلم على تلاوتهما في صلاته دون غيرهما .

(8) ( خلفات ) : الخلفات الحوامل من الإبل إلى أن يمضي عليها نصف أمدها . ثم هي عشار . والواحدة خلفة وعشراء . (( انظر : صحيح مسلم بشرح النووي ، (6/ 89 ) )) .

(9) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب صلاة المسافرين ، باب فضل قراءة القرآن في الصلاة ، (1/ 552) ، (ح802 ) .

(10) انظر : أنوار القرآن ، (ص79ـ84 ) ، وعظمة القرآن الكريم 441 ــ 446.