بحث عن بحث

 

 

أحداث صفر (1432هـ ) الأولى  [2]

حقـائق قرآنيـة ونبـويـة

 

الحمد لله خلق كل شيء فقده تقديرًا، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنة فله الحمد حمدًا كثيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، بشيرًا ونذيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

عباد الله، اتقوا الله تعالى فمن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.

أيها المسلمون: يصبح المسلمون في هذه الأيام ويمسون على أحداث متوالية في عالمهم العربي والإسلامي، مما قد يتوقعه كثيرون، ولا يتوقعه آخرون، ولا تدري عواقبها، تعلو فيها أصوات وصيحات، وتنخفض أخرى، يشوب الحق غبش فلا يراه إلا أهل الحق والعلم والإخلاص  والصدق والموفقون من عباد الله وتتلاطم فيه الحقائق والنظريات المتعارضة والمتضادة، ويكثر الهرج والمرج، ويزيد في عصرنا هذا ما تركز عليه وسائل الإعلام والاتصال الحديثة التي أصبحت منبرًا لكل أحد، ويختلط فيها الحق والباطل، فنسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.

أيها المسلمون: واستكمالًا لما تحدثنا به في جمعة سابقة حول بعض الاستنتاجات والوقفات مع هذه الأحداث نواصل الحديث فيها تذكيرًا بالأصول الشرعية، والمصالح الرعية، والمقاصد الكلية، وإجلاء لما يعلو الأذهان من الغبش، وتجديدًا للثوابت والمنطلقات فنقف مع هذه الحقائق الكبرى.

أولاهما أيها المسلمون: لعل من الخير العظيم في كل حدث ومناسبة أن نذكر بتجديد الارتباط بالمولى جل وعلا، والإيمان به، وتأكيد أن هذا الدين قائم على الاستسلام له سبحانه، فالحكم حكمه، والأمر أمره، والنهي نهيه، والقدر قدره، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، يقول سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } .

ومن الإيمان به: إدراك أن ما يكون من حدث في هذا الكون إلا لحكمة يريدها سبحانه فالكون والإنسان مترابطان، ومن حكمة خلق الله تعالى للإنسان عمارة هذا الكون، يقول تعالى مذكرًا بهذه الحقيقة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.

ويبني على هذا الإيمان أهمية إدراك تلك الحكمة الكبرى وهي عمارة الأرض حسيًا ومعنويًا، حسيًا باستخراج ما فيها من الكنوز، ومعنويًا عمارتها بطاعة المولى والاستجابة له وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، وإن خالفت الأهواء والعواطف والرغبات والشهوات، بل لا تؤدي فعلها في الإنسان حقًّا إلا عند ما تكون مخالفة للأهواء والشهوات.

وتطبيقًا لهذا الإيمان على الأحداث الكبرى المتنوعة التي تقع اليوم في بلدان من عالمنا العربي والإسلامي أن نتلمس حقًّا مراد الله وحكمه، ولا يدرك ذلك في كل بلد إلا علماؤه الشرعيون، وحكماؤه وعقلاؤه فلا يجازف المرء بمفرده وهو بعيد، أو يعتمد على أصول مجهولة، أو عواطف جياشة، أو يقيس كل بلد على كل بلد، أو يعلى صوته بشيء دون تأمله أو الاعتماد على مصادره الحقة حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها.

وثاني الحقائق الكبرى: من فضل الله تعالى أن جعل هذا الدين مرتكزًا على قواعد كلية، ومقاصد عظيمة، ومنطلقات راسخة، المنطلقة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه مالك في الموطأ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنتي».

ومن أهم تلك المقاصد المحافظة على الأنفس، والأعراض، والأموال والعقول، والأنساب، وما يكون وسيلة إلى حفظها من إشاعة الأمن، والعدل، وسائر القيم، ولذا حرم الإسلام الاعتداء على الأبدان من القتل فشرع القصاص، وحرم الاعتداء على الأعراض فشرع الرجم والجلد، وحرم الاعتداء على الأموال فشرع القطع، وحرم الاعتداء على العقول فشرع الجلد، وحرم إفساد الأمن وإشاعة الظلم والفوضى فشرع التعزير، وقد تكاثرت النصوص القرآنية والنبوية في تأصيل هذه المقاصد العظيمة ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ، وقال سبحانه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } ويقول سبحانه: {  إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ }، وقال: { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.

وتطبيقًا لهذه المنطلقات على ما يقع من أحداث يحتاج إلى فقه دقيق من أهل العلم والرأي، وهذا ينفى أن كل الإنسان يجتهد رأيه وبخاصة أن هذا الأحداث يشوبها القتل والسرقة والاعتداء وإشاعة الخوف والرعب، ومن جهة أخرى أن علماء كل بلدهم أهل الرأي فيه فلا يجوز لشاب في جهاز، أو مفكر في بلد آخر أن يجتهد رأيه في تلك البلدان وهذا مما وقع فيه الخلط فوقع الخطأ والغبش.

ومن أهم المقاصد رعاية وحدة المجتمع وتماسكه، ولذا أمر الإسلام بالاجتماع ونهى عن الفرقة والاختلاف قال تعالى: { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }، وحذَّر الإسلام من السخرية والتنابز بالألقاب، وكل ما يؤدي إلى شرخ الصف، وتفرق الكلمة، ودخول الأعداء، وتربص الحاسدين والحاقدين، والمنافقين.

ومن أهم المقاصد: رعاية المآلات والنتائج فلا يجوز أن يعمل الفرد العمل دون أن يكون لديه غلبة الظن على النتائج، ولذا جاء الإسلام بقاعدة العمل على تحصيل المصالح أو تكثيرها، ودرء المفاسد أو تقليلها، وهذه قاعدة عظيمة تحمي من الوقوع في النتائج الخطيرة، وفي التاريخ عبر كثيرة.

وهذا يستدعي جانب ترجيح العقل على العاطفة ورعاية المسؤوليات الكبيرة والصغيرة لئلا ينفرط الزمام قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» فلنفقه عباد الله هذه المقاصد ولا تأخذنا غمرة الأحداث فنقع في كثير من المحظور، اللهم فقهنا في ديننا، واحفظنا وبلادنا وبلاد المسلمين، واحقن دماءهم، وأعراضهم.

نفعني الله بهدي كتابه وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية [2]

الحمد لله ذي الجلال والكمال، أحمده سبحانه على نعمه في كل حين وحال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليم بكل الأحوال، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى الصحب والآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المصير والمآل.. أما بعد:

عباد الله: ومن الحقائق التي يذكر بها في مثل هذه الأحداث الجسام إننا نحن المسلمين يجب أن ننطلق للتغيير من مبدأ التغيير الإيجابي الذي يبني على قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» لكننا عباد الله يجب أن نفقه فقه هذا التغيير حتى لا يكون سلبيًا ضارًا، فالتغيير لا يراد لذاته وإنما لعواقبه، ومن فقهه أن يبدأ من تغيير النفس أولًا لقوله سبحانه: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ومن فقه وضوح الغاية وسلامتها ووضوح الوسيلة وسلامتها ولو كانت الغاية حسنة فالوسيلة يجب أن تكون مشروعة، ومن فقهها ألا يؤدي التغيير إلى ضرر، وتطبيقًا لهذه الحقيقة فقد اختلت عند بعض من أرادوا التغيير وذلك بارتكاب وسائل محرمة ودون دراسة للعواقب.

من الحقائق عباد الله في هذه الأحداث التي يجب فقهها أن المجتمعات ليست على قياس واحد وأحوالها ليست على قياس واحد، وإيجابياتها وسلبياتها ليست كذلك وتطبيقها للشريعة كذلك، فيصلح للمجتمع ما لا يصلح لآخر، فمن فقه هذه الحقيقة ترك كل بلد لعلمائه الذين هم أهل النظر والفقه فيه، وتطبيقًا لهذه الحقيقة فإن إجراء القياسات يوقع في مفاسد كبيرة ولذلك من نادي بالمظاهرات في كل مكان عبر وسائل الاتصال ونحوها ونقلها إلى أماكن أصبحت طائفية ضد الإسلام والمسلمين بعض البلدان وعرقية وقبلية في أخرى.

وكثير ممن ينادي بها في هذه البلاد وأمثالها يرتكب جرمًا كبيرًا لما يتمتع به هذا البلد من وحدة المجتمع وتماسكه، وبيعته الشرعية، وتحكيمه للشريعة، ورعايته للمصالح العامة، وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها مما يستوجب الشكر لله عزَّ وجلَّ على هذه النعم لتستمر، ولا يعني هذا عدم الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو النصيحة أو محاسبة المقصر بل هي واجبة، فالسفينة بدون الأمر والنهي تغرق، فلنعي عباد الله هذه الحقائق ونعمقها في نفوسنا، ونفوت فرص الأعداء والحاسدين والحاقدين ومن يصاد في الماء العكر.

ثم صلوا وسلموا على رسول الله كما أمركم الله تعالى في محكم كتابه،فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا).