بحث عن بحث

الخطبة الأولى:

الحمد لله، الحمد لله تقدست ذاته، وعلت أسماؤه وصفاته، سبحانه وبحمده تمت صدقا وعدلاً كلماته، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، لا تحصى نعماؤه، ولا تحصر مكرماته، وأشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أسلمت له طوعًا وكرهًا مخلوقاته، وأشهد أنّ سيدنا ونبيّنا محمداً عبد الله ورسوله، مصطفاه وخليله وأمينه على وحيه، خصه بخصائص علت بها منزلته، وأيده بدلائل علا بها مقامه، وبهرت معجزاته، وعلى آله وأصحابه، وردت نعوتهم في التوراة والإنجيل، كما وردت نعوت المصطفى وصفاته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها المسلمون، حجاجَ بيت الله، أوصِيكم ونفسي بتقوى الله عزّ وجلّ، فاتقوا الله جميعاً رحمكم الله، وقابِلوا إحسانَ ربكم بدوام حمده وشكره، فهو سبحانه يعامِل عبادَه بإحسانه وفضله، فإذا ما استعانوا بإحسانه على عِصيانه أدّبهم بعدلِه، فمن جاءه من ربّه ما يحبّ فليشكُر الواهب، ومن أصابه ما يكره فليتّهم نفسه، ومن انقطعت عنهم متّصِلات الأرزاق فليعودوا باللّوم على أنفسهم ولا يتَّهموا الرزاق، (وَلَوْ بَسَطَ ?للَّهُ ?لرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ?لأَرْضِ وَلَـ?كِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ) [الشورى:27].

أيّها المسلمون، في العصور الماضيةِ والأحقاب السّالفة عاش كثيرٌ من العظماء ورجالات التأريخ والديانات، نقلتِ الأنباء أخبارَهم، ودوّنت الكتب أوصافهم، وسجّلت المدوّنات أحوالَهم، غيرَ أنه لا يوجد أحدٌ من هؤلاء العظماء والرجال من نُقلت أخباره ودُوّنت صفاته وحُفظت سيرته وكُتِب سجلّ حياتِه كما كان لنبينا محمد –صلى الله عليه وسلم-، لقد وصَلَ إلينا ذلك بالنّقل المتواتر.

إنَّ سيرةَ رسول الله محمدٍ –صلى الله عليه وسلم- أصحُّ سيرةٍ لتأريخ نبيٍّ مرسَل، سيرة واضحة مدقّقة في جميع أطوارها ومراحلها، حتى قال كاتب من غير المسلمين: (محمّد هو النبي الوحيد الذي وُلِد تحت ضوء الشمس)، إشارةً من هذا الكاتب إلى دقّة سيرته عليه الصلاة والسلام وصحّتها وتوازنها.

يُقال ذلك ويثار ـ أيها المسلمون، حجاجَ بيت الله ـ والمسلمون يعيشون حملةً مسعورة موجّهة نحو دينهم ونبيّهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حملةً ظالمة آثمة.

ومن هنا، من منبر المسجد الحرام، من أطهر البقاع وأقدسها، من مكة المكرمة، ومن جوار الكعبة المشرفة، من بلدِ الله الحرام ندعو عقلاءَ العالم لنبذ هذا التعصّب المقيت وممارسة هذا الإرهاب الفكري الذي يقود إلى تأجيج الأحقاد واستفزازِ الشعوب وحلولِ الكوارث التي يكتوي بنارِها الجميع ويعمّ لهيبها الجميع.

إنَّ الهجوم على الإسلام ونبيّ الإسلام لا يزيد الدّين وأهلَه إلا صلابةً وثباتاً وانتشاراً وظهوراً، وفي كتاب ربنا: (هُوَ ?لَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِ?لْهُدَى? وَدِينِ ?لْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ?لدّينِ كُلّهِ وَكَفَى? بِ?للَّهِ شَهِيداً) [الفتح:28].

إنّهم يعلمون ونَعلم أنّ الذين يدخلون في دين الإسلام في ازدياد وتنامي على الرّغم من كلّ الظروف والمتغيّرات والأحداث والمقاومات، بل والتهديد والتشويه للإسلام وأهله ونبيِّه وقرآنه.

إنّنا ندعو كل منصف وكلَّ طالبٍ للحقيقة أن يقرأ دينَنا من مصادره، وأن يطّلع على سيرة نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم، فهي مدوّنة محفوظة تدوينا وتوثيقا لا يدانيه توثيق ولا يقاربه تحقيق. وليعلم طالبُ الحقيقة ومبتغي الإنصاف أنّ المسلمين يكفيهم فخراً وشرفاً أن دينَهم يحرّم كلّ انتقاص أو تكذيبٍ لأيّ نبيٍّ من أنبياء الله، ويأمر باتباع ما جاؤوا به، (شَرَعَ لَكُم مّنَ ?لِدِينِ مَا وَصَّى? بِهِ نُوحاً وَ?لَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى? أَنْ أَقِيمُواْ ?لدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ) [الشورى:13]، بل لقد نُهي المسلمون عن التعرّض لأديان المشركين حفاظاً على الحقّ وحمايةً لجناب الله عزّ شأنه، ففي محكم التنزيل: (وَلاَ تَسُبُّواْ ?لَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ?للَّهِ فَيَسُبُّواْ ?للَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ)[الأنعام:108].

إنَّ المسلمين يحترمون جميعَ رسل الله، ويوقّرون كلَّ أنبياء الله عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، (ءامَنَ ?لرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَ?لْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِ?للَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ?لْمَصِيرُ) [البقرة:285].

وقد اقتَضَت إرادةُ الله سبحانه وحكمته أن يختم الأنبياءَ والرسل بمحمد –صلى الله عليه وسلم-، وأن يختمَ الرسالات بالإسلام الذي جاء به، ليكونَ للناس بشيراً ونذيراً، وليكون للعالمين رحمة. بعثَه على فترة من الرسل، ضلّ فيها الناس رشادَهم، وجحدوا عقولَهم وقلوبَهم، فصاروا كالأصنام تعبُد الأصنام، وكالحجارة تقدّس الحجارة، ملَؤوا الأرضَ خرافاتٍ وأوهاماً، فلطف الله بعباده، فاصطفى محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليبلِّغ خاتمةَ رسالاته، ويهديَ بآخر كتبه، فكان بإذن الله الغيثَ نزل على الأرض الموات، فتبصّر الضالّون طريقَ النجاة، واستردَّ الخلق إنسانيتَهم وكرامتهم، وفي الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم: (إنّ الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربَهم وعجمَهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنّما بعثتُك لأبتليَك وأبتليَ بك، وأنزلتُ عليك كتابًا لا يفسده الماء، تقرؤه نائماً ويقظان).

أيّها المسلمون، حجاجَ بيت الله، أيّها العقلاء، على طالبِ الحقيقة والإنصاف أن ينظرَ فيما نالته سيرةُ محمد –صلى الله عليه وسلم- من العناية الفائقة والدقّة البالغة في التدوين والتحقيق والشمول والتصنيف والاستنباط، لقد كانت سيرةً ومسيرة جليّةَ المعالم، كلّها حقٌّ، وكلّها صدق، توثيقاً وكتابة، وقراءة وبحثاً، واستيعاباً واستنباطاً. لم تُحفَظ قصةُ حياةٍ ولا سيرة رجل ولا مسيرة بطل مثلما حُفظت سيرةُ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. سيرةٌ لم تلحقها الأساطير والأوهام، وإنّها لإحدى الدلائل التي حفظها الله لتكونَ شاهداً على صدق هذه الرسالة المحمدية.

إنّ الذين وصفوه ودوّنوا سيرتَه أحبّوه والتزموا الاقتداءَ به، فاجتمع في وصفهم وتدوينهم أمانةُ النقل مع محبّة الموصوف، فامتزجت لديهم العاطفةُ بالدين والحب بالأمانة، فكانوا في نقلهم يؤدّون واجباً ويتّبعون سُنّة، فسلموا من الكذب والتحريف والتناقض والجهل، وذلكم ـ وربكم ـ من آيات الله للعالِمين.

لقد ضمّت السيرةُ النبوية جميعَ شؤون رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وتفاصيل حياته وأطوار عمره، من الولادة والرضاعة والطفولة والشباب والكهولة، في حياته قبلَ النبوة، من صدقه وأمانتِه واشتغالِه بالرعي والتجارة وزواجِه، ثم ما حبِّب إليه من الخلوة والتعبُّد، ثمّ بعثته ومواقف قومه العدائية، ومقاومتهم وما واجهوه به من اتهاماتٍ من سحرٍ وجنون وكذب، ثم تزايُدِ أتباعه وعلوِّ شأنه، وما حصل مع قومه من مواجهاتٍ ومهادنات وحروبٍ ومسالمات.

أمّا حياتُه الشخصية فقد نقل لنا النقلة الأثبات تفاصيلَ أوصافه الجسدية من الطول واللّون والهيئة والمشية وحياته اليوميّة من قيامه وجلوسه ونومه ويقظته وضحكه وغضبه وأكله وشربه ولباسه وما يحبّ وما يكره وعبادته في ليله ونهاره، وحياته مع أهل بيته وفي مسجده وأصحابه مع الأصدقاء ومع الغرباء وفي السفر وفي الحضر، ناهيكم بأخلاقه الكريمة من التواضع والحلم والحياء والصبر وحسن العشرة، بحيث لم يبقَ شيء من حياته مخفياً أو مكتوماً، إذا دخل بيته فهو بين أهله وخدمه وأولاده، وإذا خرج فهو مع الأصحاب والغرباء، وكلّ ذلك منقولٌ محفوظ، في بشريّته لم يخرج عن إنسانيّته، ولم تلحق حياتَه الأساطير، ولم تُضْفَ عليه الألوهية لا قليلا ولا كثيراً، فهو النبيّ الرسول، والرسول الإمام، والرسول الحاكم، والرسولُ الزوج، والرسول الأب، والرسول المجاهد، والرسولُ المربي، والرسول الصديق.

محمد –صلى الله عليه وسلم- أنموذجُ الإنسانية الكاملة، وملتقى الأخلاق الفاضلة، وحامل لواء الدعوة العالمية الشاملة.

أعطاه ربُّه وأكرمه، وأعلى قدره ورفع ذكرَه، ووعده بالمزيد حتى يرضى، ولاّه قلبةً يرضاها، من أطاعه فقد أطاع الله، ومن بايَعَه فإنما يبايع الله، لا قدرَ لأحد من البشر يداني قدرَه، صفوةُ خلقِ الله، وأكرم الأكرمين على الله، وحينما قال موسى كليم الله عليه السلام: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَى?) [طه:84] قال الله لمحمد –صلى الله عليه وسلم-: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى?) [الضحى:5]، وحين سأل موسى الوجيهُ عند ربه عليه السلام: (قَالَ رَبّ ?شْرَحْ لِى صَدْرِى) [طه:25] قال الله لمحمد –صلى الله عليه وسلم-: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح:1].

أيها المسلمون، ومع حبِّ المسلمين لنبيّهم عليه الصلاة والسلام وتعظيمِهم له وتوقيرهم لجنابه فإنّ عقيدتهم فيه أنه بشرٌ رسول، عبدٌ لا يعبَد، ورسول لا يكذَّب، بل يُطاع ويُحبّ ويوقَّر ويُتّبع، شرّفه الله بالعبودية والرسالة. ولقد علَّمنا ربّنا موقعَ نبيّنا منّا فقال عز شأنه: (لنَّبِىُّ أَوْلَى? بِ?لْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [الأحزاب:6]، فهو أقربُ إلى قلوبنا من قلوبِنا، وأحبّ إلى نفوسنا من نفوسنا، وهو المقدَّم على أعزّ ما لدينا من نفسٍ أو مال أو ولد أو حبيب، ولن يذوقَ المسلم حلاوةَ الإيمان في قلبه وشعوره ووجدانه إذا لم يكن حبُّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  فوقَ كلّ حبيب، ففي الحديث الصحيح: (ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما) الحديث، بل يترقّى ذلك إلى حدّ نفيِ الإيمان كما في الحديث الصحيح الآخر: (لا يؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام.

أيّها المسلمون، حجاجَ بيت الله، وهذا الحبُّ العميق الدقيق ليس حبًّا ادعائياً ولا عاطفة مجرّدة ولكنّه حبٌّ برهانُه الاتباع والطاعة والانقياد والاستسلام، وأيّ فصلٍ بين الحبّ والاتباع فهو انحرافٌ في الفهم وانحرافٌ في المنهج. الحبّ الصادق يقود إلى الاتباع، والاتباع الصحيح يذكي مشاعرَ الحبّ.

يا عقلاءَ العالم، أيّها الناس، هذا هو نبيُّنا، وهذه هي سيرتُه، وهذا هو حبّنا له وإيماننا به ومتابعتنا له، ولن نقبلَ أن ينالَ منه أحد، إنّهم بعضُ المعادين لديننا ولنبينا، هؤلاء الذين يسعَون إلى تشويه صورةِ نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم-، كما فعلوا ويفعلون من نشر الأغاليط واختلاق الأكاذيب حولَ قرآنِنا وتفسيره والدسّ عليه.

إنّها إساءةٌ متتابعة ومتكرّرة تثير مشاعرَ المسلمين في العالم، وممّا يؤسَف له أنّ هذه الإساءات تصدر من رجالٍ ينتسبون إلى دينهم وكنائسهم، كما ينتسبون إلى رجالات الإعلام والسياسة، بل يقف وراءَها بعضُ كبار المشاهير من رجال الدين والسياسة والفكر، اتّهموا نبينا بالكذب وبالجنون وبالسرقة وقطعِ الطريق وسيئ الأفعال، ووصفوا دينَنا بأنه خدعة كبرى.

إنّ هذه المحاولاتِ من التشويه والدسّ والأكاذيب والإفك إنما تسيء إلى العلاقاتِ بين الشعوب، ويبثّ بذورَ الكراهية، ويذكي أجواءَ الصراع، وتثير أبشعَ صوَر البغضاء بين الناس.

أيّها الناس، إن أمّة الإسلام وقد فاقت أعدادها المليارَ وربع المليار وتقترِب نسبتُها إلى رُبع سكان العالم وتعيش في أربع وخمسين دولة وتقيم في مائة وعشرين مجتمعاً بشرياً، إنَّ هذه الأمة بتعدادها وبثقلها تستنكِر هذه الاتهامات، وتُدين هذه الهجماتِ الوقحة والافتراءات الآثمة ضدّ دينها ونبيّها، وتؤكِّد أن السماحَ بانتشار مثل هذه الافتراءات يؤدّي إلى إذكاء الصراع ونشرِ البغضاء في عواقبَ وخيمة.

إنّنا نطالبُ باعتذارٍ علنيّ عن هذه الاتهامات والإهانات والتي وُجِّهت إلينا في أعزّ ما لدينا، في ديننا وفي نبيّنا.

إنّنا نطالبُ بالاعتذار عن هذه الافتراءات؛ لأنّها صدرت من رموز مؤثّرة، بل إن لهم أو لبعضهم ارتباطاتٍ بالسياسيين وصنّاع القرار. وقد تمّ نشرُ هذه الأكاذيب على أوسعِ نطاق، وعبرَ قنواتٍ إعلامية عالميّة واسعة الانتشار. وفي الوقتِ ذاتِه نحذِّر من عواقب هذه الحملات والتي لا يعلم مدى تأثيرها إلا الله.

وبعد: فإنَّ ذلك كلّه مع عِظَم خطره وأليم وقعِه فإنّ المسلمين ليسوا في شكّ من دينهم ولا من نبيّهم، فهذه الاتهامات والأوصاف عينُها سبقَ إليها أهل الجاهليّة الأولى، ولم يكن لها أيّ تأثير في السيرة النبوية ولا المسيرة الإسلامية. فالإسلام دينُ الله، ومحمّد رسول الله، وكلّ ذلك محفوظ بحفظ الله، فلله الحمد والمنة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ ?للَّهَ وَمَلَـ?ئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ?لنَّبِىّ ي?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً * إِنَّ ?لَّذِينَ يُؤْذُونَ ?للَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ?للَّهُ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً * وَ?لَّذِينَ يُؤْذُونَ ?لْمُؤْمِنِينَ وَ?لْمُؤْمِنَـ?تِ بِغَيْرِ مَا ?كْتَسَبُواْ فَقَدِ ?حْتَمَلُواْ بُهْتَـ?ناً وَإِثْماً مُّبِيناً) [الأحزاب:56-58].

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد –صلى الله عليه وسلم-، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية:

الحمد لله أثنى على عبدِه ورسولِه محمّد في غير موضع من محكم كتابِه، وامتدحه بجميل خلقه وكريم آدابِه، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو ربّنا الرحمن آمنا بِه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله أنزل عليه الذكر وحفظه على مرّ الدهر وتعاقب أحقابه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى الطيبين الطاهرين آله، وعلى الأبرار المكرمين أصحابِه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما طلت شمس نهار وأضاء كوكبُ شهابِه.

أما بعد: فيا أيها المسلمون، حجاجَ بيت الله، إنَّ على أهل الإسلام أن يتحلّوا باليقظة والوعي لما يتعرّض له الإسلام والمسلمون من تهديداتٍ ومخاطر، وأن لا يستجيبوا لاستفزازاتِ المتعصّبين، ولتكن مواقفُهم محسوبة، مع حُسن تقديرٍ للعواقب، كما يجب التآزر والتعاون في التصدي لهذه الحملات المغرضة الجائرة، وأن يبذلوا كلَّ جهدٍ ممكن وإمكانات متوفّرة من أجل دحضِ هذه الافتراءات وكشفِ زيفها وكذبها.

إنَّ على الحكومات والمنظّمات والجمعيات الإسلامية أن تنظِّمَ جهودَها، وتتصدّى بشكل منظّم لإحباط هذه التوجّهات التي ترمي إلى نشر الكراهية للإسلام وأهلِه، وتحزِم أمورَها لإيقاف هذه الحملات المحمومة التي تحجب الحقائق عن الناس، دعوةً إلى الله، ونصرةً لدين الله، ودفاعًا وحبًّا لرسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

إنّ على هذه الجهاتِ جميعاً أن تبيّن أنّ عناصرَ متعصّبة صهيونية من اليهود والمسيحيين ممَّن يؤيّد إسرائيل المغتصبة المحتلّة هم الذين يقودون تلك الحملةَ الظالمة الغاشمة.

كما أنّ على هذه الجهات جميعاً وعلى رجالات الإسلام من العلماء والدعاة والمفكّرين أن يبيّنوا الإسلامَ الحقَّ للناس بمحاسنه ورحمته وعدله وسماحته وعفوه وقوّته وإنصافه وغَيرة أتباعه، وينشروا سيرةَ نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- الطاهرة الشريفة، وعليهم من الجانب الآخر أن يفضَحوا التناقضاتِ في المواقف والتحيّز والانتقائية والعنصرية والانفلات الحضاري. والحقّ أحقُّ أن يُتّبع، والزبدُ يذهب جُفاء، وما ينفع الناس فيمكث في الأرض، والمسلمون على عقيدةٍ راسخة بأن الله متمّ نوره، وكيدُ الكائدين لن يضرّ أهلَ الإسلام شيئاً إذا صبروا واتقوا وأحسنوا.

هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى والنبي الخاتم المجتبى، فقد أمركم بذلك المولى جل وعلا بعد أن صلى عليه سبحانه وملائكته.

اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، النبي العربي الهاشمي القرشي الأمي، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين...