بحث عن بحث

الوقفة التاسعة عشرة: أعمال الحج (4-4)

أعمال اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر الرمي والمبيت

 

بعد إكمال أعمال يوم العيد على الحاج أن يرجع ويبيت بمنى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر وليلة الثالث عشر إن أدركه الغروب في اليوم الثاني عشر بمنى ولم يخرج منه أو يتهيأ للخروج, وهذا المبيت واجب من واجبات الحج لا يجوز تركه, إلا لمن له عذر كالمشتغلين بخدمة الحجاج.

ثم عليه أن يرمي الجمار الثلاث الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى يرمي كل واحدة بسبع حصيات متعاقبات, كل حصاة قدر حبة الحمص في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر إن بات ليلة الثالثة عشر.

ويبدأ وقت الرمي بعد زوال الشمس ويجب الترتيب في رميها فيبدأ بالجمرة الأولى وهي الصغرى وهي التي تلي مسجد الخيف فيرميها بسبع حصيات متعاقبات يرفع يده عند كل حصاة ويكبر, وعند الرمي يسن أن يتأخر عنها ويجعلها عن يساره ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويكثر من الدعاء والتضرع لله سبحانه وتعالى بما شاء ثم يذهب للجمرة الثانية وهي الوسطى فيرميها كالأولى ويسن أن يتقدم قليلاً بعد رميها ويجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة فيرفع يديه ويدعوا كثيراً ثم يرمي الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة فيرميها ولا يقف عندها.

وهذا الرمي واجب من واجبات الحج لا يجوز تركه ومن تركه متعمداً أثم وعليه دم لأنه ترك واجباً من واجبات الحج.

وهناك أخطاء يفعلها بعض الناس مما يتعلق بالرمي منها:

1- اعتقاد بعضهم أنهم يرمون الشياطين عند رمي الجمار فتجدهم يرمونها بغيظ مصحوب بشتم وسب لها وهذا اعتقاد خاطئ, والصواب أن رمي الجمار إنما شرع لإقامة ذكر الله كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله) (1) ولهذا ينبغي أن يرميها الحاج بسكينة ووقار, وخشوع وخضوع لله عز وجل.

2- ومن الأخطاء رمي البعض بحصى كبير أو بالحذاء أو بالخشب وما أشبه ذلك, وهذا من الغلو في الدين الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصواب أن يرميها بحصى صغير بين الحمص والبندق كما سبق بيانه وتفصيله.

3- ومن الأخطاء التزاحم والتقاتل عند الجمرات مما يسبب أذية الضعفاء والنساء وكبار السن والأطفال ونحوهم وهذا خطأ كبير ووزره عظيم فالمسلم جاء ليؤدي عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل ولم يأت ليؤذي الآخرين ويعتدي عليهم ويتسبب في إزعاجهم وإيذائهم والمشروع أن يؤدي هذه العبادة بكل أدب ووقار فإيذاء المسلمين من المحرمات.

4- ومن الأخطاء رمي الحصا جميعاً دفعة واحدة وهذا خطأ ولو رماها الحاج كذلك فلا يجزى إلا عن حصاة واحدة فقط والصواب أن يرمي واحدة واحدة مكبراً مع كل حصاة.

5- ومن الأخطاء التساهل في التوكيل في رمي الجمار فتجد كثيراً من الناس يتوكل عن رفقته كلهم أو بعضهم أو يتوكل عن نسائه مع أنهن قادرات على الرمي فالصواب أن الإنابة لا تجوز إلا عند عدم الاستطاعة ووجود العذر كالمرض والعجز والكبر والحمل ونحوه لكن إذا كان معه نساء فعليه أن يجنبهن مزاحمة الرجال لكي لا يقعن في محذور أو يسبب له إيذاء الآخرين فيذهب بهن في أوقات السعة كالليل مثلاً أو أن يؤخر الرمي إلى آخر الأيام فيرمي الجمار مرتبة وهذا أولى من التوكيل والإنابة إذا كن قادرات مستطيعات, وإذا جاء إلى الجمرات ووجد زحاماً فلهن أن يوكلن غيرهن ولا يدخلن في الزحام لكن بعد توسعة الجمرات خف الزحام كثيراً ولله الحمد والمنة.

6- ومن الأخطاء عدم التأكد من سقوط الجمار في الحوض وإذا حدث هذا فلا يجزئ بل على الرامي الإعادة فلابد من وقوع الجمار في المرمى ولا يلزم ضرب الحصى للشاخص أو الجدار الذي وسط الجمرات وليعلم الحاج أنه إذا كان قد رمى خطأ أن يعيد الرمي مرتباً.

7- ومنها الرمي منكساً بمعنى أن يرمي الجمار مبتدئاً بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الصغرى فهذا خطأ وإذا فعله فلا يحسب له إلا رمي الجمرة الصغرى فقط وعليه أن يعيد الوسطى وجمرة العقبة.

8- ومنها الرمي بعيداً عن الحوض وهذا خطأ يترتب عليه أمران هما: عدم التأكد من سقوط الجمار في المرمى والثاني إيذاء المسلمين وإصابتهم بالحصا والصواب أن يحاول الرامي أن يقترب من المرمى ويتأكد من سقوط الحصا في الحوض وليتفادى إيذاء الناس كما سبق.

9- ومنها تصور بعض الحجاج أنه لابد من إصابة الشاخص وهو العمود الذي في وسط الحوض والصواب أنه لابد من وقوع الجمار في المرمى ولو لم تصب الشاخص.

10- ومما يتساهل فيه بعض الناس عد استشعار ذكر الله تعالى وعظمته في أداء هذه العبادة فكثير منهم لا يقف بعد الجمرة الأولى أو الثانية يدعو الله تعالى ويذكره بل أكثر الناس تغلب عليهم العجلة وحب التخلص من العبادة والذي ينبغي على الحاج أن يستشعر عظمة الخالق جل وعلا فيذكره سبحانه ويكبره في هذا المكان الفاضل وفي هذا الزمان الفاضل وفي وقت أداء هذه الشعيرة المباركة فيقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم بفعله فيرمي الجمرة الأولى ثم يقف عندها للدعاء وهكذا الثانية, أما الثالثة فلا يقف عندها.

فليغتنم الحاج هذه الأوقات الفاضلة ويجعلها فرصة عظيمة يغسل فيها درنه ويفتح صفحة جديدة مع البارئ سبحانه وتعالى فالله سبحانه وتعالى عفو كريم, يقبل التوبة من عباده ويعفو عن كثير.


(1) أخرجه أبو داود(2: 118 رقم 1890)، وأحمد(6: 64 رقم 24396)، وهو حديث حسن.