بحث عن بحث

 

الوقفة العشرون: الوداع

 

وبعد هذا الرمي يبقى الحاج مخيراً بيت التعجل والتأخير فمن أراد التعجل فعليه أن يخرج من منى قبل غروب الشمس ذلك اليوم فإن أدركه الغروب وهو لا يزال في منى ولم يتحرك من مكانه ناوياً الخروج فيلزمه المبيت ليلة الثالث عشر, ورمي الجمار بالكيفية المذكورة بعد الزوال من اليوم الثالث عشر ثم إن خرج من منى قبل غروب شمس ليلة الثالث عشر لم يبق عليه من أعمال الحج إلا طواف الوداع وأما من أراد التأخر وهو أفضل فيبيت بمنى ليلة الثالث عشر ثم يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر كرميه في اليوم الثاني عشر يقول سبحانه وتعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن أتقى) (1).

ومما ينبغي أن يعلم آخر أعمال الحج هو طواف الوداع وهو واجب من واجبات الحج لا يجوز تركه إلا للحائض والنفساء التي يريد أهلها أن يسافروا فيسقط عنها, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده البيت) وفي رواية: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض) متفق عليه من حديث ابن عباس(2).

ومن ترك هذا الطواف فعليه دم لأنه ترك واجباً من واجبات الحج, وهذا الطواف يلزم كل حاج إلا أهل مكة القاطنين فيها فإنه لا يلزمهم ذلك, ومن طاف للوداع ثم بقي مدة في مكة يشتغل بتجارة ونحوها أو طال زمن الجلوس فيها فعليه إعادة الطواف لأنه حينئذ لم يكن آخر عهده بالبيت, وصفة الطواف كصفة أي طواف إلا أنه لا يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى بل يمشي المشي المعتاد وعليه أن يكثر من الدعاء والذكر وإن قرأ شيئاً من كتاب الله تعالى فحسن, ثم يصلي ركعتي الطواف بعد تمام سبعة أشواط.

وهنا يختم الحاج حجه وعليه حينئذ وهو في ختام حجه أن يجتهد في عمل الأسباب المعنية على قبول الحج, ومن ذلك:

1- الاستغفار والتوبة والإكثار منها في ختام الحج فما ختمت عبادة باستغفار إلا كانت حرية بالقبول ولذلك شرع لنا الاستغفار بعد الصلاة, وفي ختام المجلس وفي الحج قال الله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا}.

2- الإلحاح على الله بالدعاء بالقبول, والعفو عما وقع من الزلل والخطأ والذنب, والله جل وعلا قد ندب للدعاء ووعد بالاستجابة: {وقال ربكم ادعوني استجب لكم} وما ختم عمل برجاء الله سبحانه ودعائه إلا كان حرياً بالاستجابة كما وعد جل وعلا.

3- محاسبة النفس وتقويمها عما عملت في الحج والإقلاع عن الأخطاء ومواصلة العمل الصواب وهذا دليل على استفادة الحاج من حجه.

4- العزم والتصميم على أن يواصل الحاج أعماله بعد الحج التي عاهد الله عليها في حجه, وبذلك يكون حجه مبروراً وسعيه مشكوراً وذنبه مغفوراً.

وهناك بعض الأخطاء التي يقع فيها الحجاج ذلك اليوم الذي يريدون السفر فيه ومنها:

1- أن بعض الحجاج يطوف للوداع قبل رمي الجمار وهنا ارتكبوا خطأين: الأول تقديم الرمي عن وقته, والثاني: عمل الطواف في غير وقته والصواب أن يرموا بعد الزوال ثم يطوفوا بالبيت بعد الرمي.

2- ومن الأخطاء أن بعضاً منهم يوكل من يرمي عنه في اليوم الحادي عشر ثم يذهب فيطوف للوداع فيسافر وهذا خطأ خالف فيه هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد حج صلوات الله عليه وسلامه عليه حجة الوداع وقال: (خذوا عني مناسككم) وهو لم يطف للوداع إلا بعد رمي الجمار في الأيام الثلاث.

3- ومنهم من إذا انتهى من الطواف خرج القهقرى من المسجد مستقبلين الكعبة بوجوههم زاعمين بذلك تعظيم الكعبة وهذه بدعة في الدين ولا أصل لها, وينبغي أن يكون الخروج من المسجد بالطريقة المعتادة من غير تكلف.

4- ومنها أن البعض إذا أراد الخروج ووصل إلى باب المسجد التفت على الكعبة مودعاً لها كأنه يودع صاحباً له وقد يقف ويدعو وهذا لم يرد في الشرع ولا أصل له.

5- ومن الأخطاء تصور بعض الحجاج الساكنين قريباً من مكة كمن يسكن في جدة أو الطائف أنه لا وداع عليهم أو أن لهم أن يعودوا بعد أيام عند ذهاب الزحام فيطوفوا للوداع وهذا خطأ والصواب أنه لا يجوز لهم الخروج إلا بعد الوداع ولو خرجوا فعليهم دم لتركهم هذا الواجب.

6- وهناك بعض الحجاج يجلسون بمكة بعد أيام منى فيكثرون من العمرة وهذا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والاقتداء بهم أولى وأفضل.

7- ومما ينتشر بين بعض الحجاج التردد إلى الغارات ونحوها كغار حراء وغار ثور والتبرك عندها والدعاء بأدعية معينة مستقبلين هذه الأماكن وهذا خطأ كبير وبدعة في الدين وليست من أعمال الحج والعمرة فلم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام رضوان الله عليهم.

8- ومثله اعتقاد أفضلية أماكن معينة وقصدها للصلاة فيها والتمسح بجدرانها ونحو ذلك كمسجد عائشة –رضي الله عنها- ومسجد الجعرانة وغيرها, وهذه لم يرد في فضلها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم وما ورد هو في فضل المساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى فحسب.


(1) البقرة:203.

(2) أخرجه البخاري مع الفتح( 3: 585 رقم 1755 )في الحج باب طواف الوداع, وأخرجه مسلم ( 2: 963 رقم 1327 ) الحج باب طواف الوداع.