بحث عن بحث

 

التوحيد في الحج

 

فضيلة المشرف العام / أ.د. فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

 

الحج:

لغة: هو القصد والزيارة.

اصطلاحًا: هو قصد بيت الله الحرام لأداء بعض الأعمال المحددة في زمن محدد ومكان محدد.

وهو فرض على كل مسلم مستطيع في العمر مرة واحدة لقوله تعالى: ( وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً )(1) .

وهو ركن من أركان الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً"(2) ومن ينكر هذا الركن فهو كافر.

توحيد الله في الحج:

يتجلى توحيد الله سبحانه وتعالى في كل شعائر الإسلام وفرائضه وآدابه، إلا أنه يبدو أكثر جلاء ووضوحًا في الحج، حيث لا يخلو نسك أو ركن منه إلا وفيه علامة أو إشارة إلى توحيد الخالق عز وجل قولاً أو عملاً، سواء كان هذا التوحيد في الألوهية أو الربوبية أو في الأسماء والصفات، وذلك لأهميته العظيمة في حياة الإنسان، وهي الحقيقة التي أرسل الله الرسل والأنبياء لترسيخها في نفوس الناس والعمل بمقتضياتها، وإزالة كل ما هو لغير الله من هذه النفوس من عبادة للأحجار أو الأشجار أو الكواكب أو البشر، لأن حياة الإنسان بكل مجالاتها وسبلها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمدى صلاحية عقيدة الإنسان وتصوره نحو ربه جل وعلا، فكل أعمال الإنسان متوقفة على هذه العقيدة وذلك التصور، فإن كانت مبنية على التوحيد كانت مقبولة عند الله ويثاب عليها خير الجزاء، أما إذا ألبست بالشرك، فإن ذلك يذهب بالعمل ويجعله هباء منثورًا وإن صبغت هذه الأعمال بالخير والصلاح، ثم يكون مقر صاحبها ومثواه الخلود في النار والعذاب؛ لأن الغفران في هذه الحالة غير وارد بوصف أن العمل لم يكن خالصًا لله وحده، لذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز: ( انَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ) (3).

ولعظم أمر العقيدة وتوحيد الله تعالى وأهميتها في حياة الإنسان استغرقت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لترسيخها وإقامة دعائمها بالشكل الصحيح في نفوس الصحابة ثلاثة عشر عامًا وكان نزول القرآن لا يتجاوز هذا الموضوع إلى شيء آخر، وهي محور الآيات المكية، وهذه الفترة أطول من فترة نزول أحكام الدولة والجهاد والمعاملات، حيث استغرقت عشرة أعوام، كل ذلك من أجل توطيد عقيدة التوحيد في النفوس، وقد قال الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام في ذلك: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى"(4).

ويمكن أن نجمل وجود حقيقة التوحيد في الحج من خلال الوقفات التالية:

الوقفة الأولى: النداء الإلهي إلى الناس للقيام بأداء فريضة الحج، وهو مَعْلَم بارز من معالم توحيده جل وعلا، وفق الصورة التي رسمها للمسلمين رسولهم صلى الله عليه وسلم من حيث القول والعمل حيث قال: "خذوا عني مناسككم"، وقد جاء هذا النداء مخالفًا لما كان عليه المشركون في أدائهم للحج حيث كانت أعمالهم كلها خالية عن معاني التوحيد، وإنما كانت شركيات وقربات لغير الله، من مكاء وتصدية ونحر، وكذا الطواف حفاة عراة، وذكر لآلهتهم المصنوعة من الحجارة والأشجار، وكان هذا النداء الرباني ربطًا للواقع الإسلامي الحديث بالحدث الإسلامي العظيم في عهد نبينا إبراهيم عليه السلام فقال جل شأنه:( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ{27} لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ{28} ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ{29} ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) (5)

الوقفة الثانية: ظهور التوحيد في الاستجابة لنداء الله للحج: ويظهر واضحًا من تهيئ الناس من أصقاع بمختلف أعراقهم وألوانهم ومستوياتهم للتوجه إلى أماكن محددة واستجابة لنداء واحد من رب واحد، لأداء فريضة ثابتة عند جميع المسلمين، رغم تباينهم واختلافهم في أمور كثيرة في الفروع، راجين القبول والرضى من الواحد الأحد.

الوقفة الثالثة: ظهور توحيد الله في أفعال الحج: ويتجلى ذلك في النقاط التالية:

1 – في لبس الإحرام: الذي يشترك فيه الجميع وهو عبارة عن رداءين أبيضين لُطْيفين تعطي للحجاج صورة في وحدة المشاعر والتصور متجردين عن الدنيا وزخرفها، لاسيما وأن لبس الإحرام يكون مع التلبية لأمر الله بالحج.

2- في الوقوف بعرفة: وهو أهم نسك في الحج، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة"، وفي عرفة تتجلى عظمة الخالق ويتجلى فيها توحيده، فالناس جميعهم في صعيد واحد، وبلبس واحد، تاركين وراءهم الدنيا وزينتها من أموال وأولاد وديار، رافعين أكف الضراعة إلى الواحد القهار، الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، والأبيض والأسود، رجالاً ونساء، من أجل أن يتقبل الله توبتهم ويرجعوا إلى ديارهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.

3- في الرمي: وفيه بيان لتوحيد الله تعالى وإعلان لعداوة الشيطان، وتذكير بقصة إبراهيم عليه السلام مع الشيطان ورميه بالجمرات.

4- في النحر: وهو النسك الذي يوحد فيه المسلمون ربهم وينبذون كل أسباب الشرك والعبادة لغير الله، حيث أن المشركين كانوا ينحرون لأصنامهم وأوثانهم، أما في هذا المقام فهو قربة يتقرب بها العبد إلى ربه جل وعلا إقرارًا بألوهيته وربوبيته. يقول الله تعالى: ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ{2} إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) (6) .

5- في الطواف: ويكون بالإحرام يطوف الحجاج سبعة أشواط خاشعين ذاكرين، وداعين ومستغفرين، لله وحده دون سواه، والقلوب واجفة إلى ربها الواحد القهار، فلا هبل ولا اللات والمنات، بل الله الواحد القهار، ثم إننا نستشعر في الطواف بوحدانية الخالق من خلال حركة الطواف نفسها التي تكون عكس عقارب الساعة، والتي هي موافقة لجميع حركات مخلوقات الله الدائرية من الأفلاك في السموات، والذرات في المواد والخلايا في الكائنات وغيرها، وهذه لفتة في خلق الله سبحانه وتعالى أن جعل حركة الكون وأداء العبادات منسجمة مع بعضها البعض ومتناسقة، وهذا دليل واضح على وحدانيته جل وعلا.

6- السعي بين الصفا والمروة: وهو تنفيذ لأمر الله تعالى، واقتداء بالسيدة هاجر رضي الله عنها، وذكر وطاعة ودعاء، وتذكير لذلك الحدث الكبير الذي كان مدخلاً لإقامة بيت الله على يدي نبينا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام.

الوقفة الرابعة: توحيد الله بالأقوال في الحج: ويمكن إيجازها في النقاط التالية:

1- التلبية: وهي: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ففي هذا الذكر إقرار لتوحيد الله سبحانه وتعالى وتنزيهه من كل ما لا يليق به جل شأنه، وأنه بيده ملكوت السموات والأرض.

2- قول: بسم الله والله أكبر عند القيام بالطواف أو السعي أو الرمي إشارة أن لا إله سواه يعبد، ولا يذكر اسم أحد غيره في الأمور كلها، صغيرها وكبيرها.

3- دعاء يوم عرفة فيه كل معاني التوحيد لله سبحانه وتعالى: حيث قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".

4- ذكر الله تعالى وتوحيده أثناء الانتقال من بين المشاعر: لقول الله عز وجل: ( فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ ) (7).

الوقفة الخامسة: وحدة مصدر التلقي لأداء مناسك الحج دليل فيه توحيد للخالق جلا وعلا، لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم" على خلاف ما كان عليه أهل الشرك في الجاهلية وما كان يرتكب عندهم من الشرك والتقرب لغير الله، وبعض الأعمال التي كانت منافية للأخلاق والآداب.

الوقفة السادسة: خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وما تجلى فيها من ذم أمور الجاهلية وأفعالها وما كان منتشرًا في جزيرة العرب من الشرك الدماء والربا وغيرها.

وهذا التوحيد العظيم المستقى من الحج يثمر ثمارًا يانعة منها:

1- مغفرة الذنوب والخطايا وأنه ليس له جزاء إلا الجنة: لقوله صلى الله عليه وسلم: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".

وقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"(8) ، وهذا كله في الحج المبرور المنطلق من هذا التوحيد.

2- فيه إحياء للأخلاق الكريمة والروح الإسلامية السمحة، ويظهر ذلك من خلال أكبر تجمع عالمي في مكان واحد، يصل عدد الحجاج أحيانًا أكثر من مليوني حاج دون أن تنشب بينهم نزاعات أو تحدث مشكلات، ولو أن أية أمة أخرى اجتمعت في مثل هذا الموقف وبهذا العدد الهائل لما خلا أمرهم من القتل والضرب والسباب وغيرها، كل ذلك التزامًا منهم بقول الحق تبارك وتعالى: ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) (9) .

وقوله صلى الله عليه وسلم: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".

3- في الحج تذكير باليوم الآخر، ووقفة الحشر، عندما يظهر الحجاج بملبس واحد في صعيد واحد، بمستوياتهم وأشكالهم وأعراقهم ومناصبهم، يقفون بين يدي العزيز الجبار، فإن ذلك يذكر بيوم الحشر الذي يكون فيها العباد حاسري الرؤوس والشمس قريبة منهم، وينتظرون الجزاء إما الجنة وإما النار.

4- الحج مؤتمر إسلامي عالمي في كل عام مرة واحدة، يتعارف فيه المسلمون على بعضهم، ويتداولون بينهم أمورهم ويعرضون مشكلاتهم وأحوالهم، والجامع لهم هذا التوحيد العظيم في صور الحج.

5- الحج عبادة عملية أكثر مما هي معنوية، حيث يترك الأهل والديار، وينفق الأموال الطائلة للوصول إلى بيت الله الحرام، ومن ثم الانتقال بين المشاعر من عرفة إلى مزدلفة إلى منى، والطواف والسعي، والحلق والنحر، والمبيت بمنى، كلها جهود بدنية أكثر من كونها معنوية. قائدها ومسيرها عمق الاستجابة ونقاوة التوحيد.

وبعد: فهل نعي هذا الدرس العظيم في هذه الشعيرة العظيمة لنجدد التوحيد، ونعمق العلاقة بالواحد الأحد في كل أعمالنا وأقوالنا، ونجعل مصدرها ومنطلقها توحيد الله تعالى، هذا هو الحج فوحَّدوا الموحِّد.

 

                                           


 


(1)  سورة آل عمران، الآية 97.

(2)   رواه مسلم.

(3)   سورة النساء، الآية 48.

(4)   رواه البخاري.

(5)   سورة الحج، الآيات 27 - 30.

(6)   سورة الكوثر، الآيتان 2 - 3.

(7)   سورة البقرة، الآية 198.

(8)   رواه مسلم.

(9)  سورة البقرة، الآية 197.