بحث عن بحث

 

 

                                التيسير .. معالم وضوابط الحج أنموذجًا

 

 

فضيلة المشرف العام / أ.د. فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

 

الحج يتسم بسمات يظهر التيسير فيها بوضوح في جميع شعائره

على الدعاة توجيه الحاج للأخذ بمبدأ التيسير فيما لا يخل بالشروط

والأركان والواجبات مع مراعاة مذهبه الفقهي ومُفتيِّ بلاده

بناء التيسير على الكتاب أو السنة وليس الأهواء أو الشهوات

أو الابتداع أو الاستجابة لـ(ضغط الواقع).

ليس من التيسير التفريط في الأحكام الشرعية أو الإخلال بالمفاهيم الإسلامية

أو إعطاء العقول الحق المطلق لتفسير النصوص.

التيسير من مقاصد الشريعة .. ولا نستطيع حصر مجالاته

الخطأ والنسيان والاستكراه.. من أعظم معالم التيسير ورفع الحرج

الغلو في الدين والتكلف والشطط.. أمور تنافي التيسير

عند تعارض المواقف يؤخذ العفو والصفح والإحسان والرحمة.

مفهوم التيسير:

اليسر ضد العسر، ويعنى به إمكانية تطبيق الشريعة من المكلف دون حرج، أو مشقة، أو ضرر، أو تكلف، أو عنت، مع إعمال لنصوص الشريعة، وعدم إهمالها، أو تجاهلها، أو تأويلها من غير دليل شرعي.

وبهذا يعلم أن التيسير في الشريعة له معالم يعرف بها، وضوابط تحده حتى لا يشدّد في تناول النصوص أو يتساهل وتُؤول فينحرف بهذا عن مقصد الشارع من التكليف.

 

التيسير مقصد من مقاصد الشريعة:

لا شك أن التيسير بهذا المفهوم مقصد من مقاصد الشريعة، بل بُنيت أحكام الشريعة على ذلك، وقد تواترت النصوص من القرآن الكريم والسنة المطهرة لتقرير هذا المقصد بأساليب وصيغ متعددة، قال تعالى: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )، وقال سبحانه: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وقال سبحانه: ( يرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً )، وروى البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وابشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة»، وروى الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة».

تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم  للتيسير:

إن النبي صلى الله عليه وسلم  هو القدوة والأسوة، والأنموذج العملي لهذا الدين، تراه في تعامله مع ما نزل عليه من الوحي أو ما يوجه إليه أصحابه رضي الله عنهم، أو ما يواجهه من أحوال ومشكلات يقرر هذا المبدأ العظيم. ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال: هلكت يا رسول الله، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: ثم جلس فأتى النبي صلى الله عليه وسلم  بعرق فيه تمر فقال: تصدق بهذا، قال: أفقر منا فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم  حتى بدت أنيابه ثم قال اذهب فأطعمه أهلك، وفي مجال التصحيح: ما رواه الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم  في إحدى أسفاره رأى كثيرًا ممن معه صام وشق عليهم الصيام فقال: «ليس من البر الصيام في السفر».

من معالم التيسير في الشريعة:

ذكر أهل العلم عددًا من معالم التيسير في الشريعة، وهي - أي هذه المعالم - من أهم ما يرفع بها الحرج عن هذه الأمة، ومنها:

الرخصة: والمراد بها الحكم الثابت على خلاف الدليل بعذر شرعي. فمتى ما وجد العذر وجدت الرخصة، كقصر الصلاة الرباعية في السفر، والجمع بين صلاتي الظهر والعصر أو المغرب والعشاء، والفطر في نهار رمضان، والصلاة قاعدًا إن لم يتمكن أن يصلي قائمًا، والتيمم للطهارة إذا لم يجد الماء أو عجز عن استعماله وغير ذلك، وروى الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معاصيه».

الخطأ والنسيان والاستكراه:

وهذا من أعظم معالم التيسير ورفع الحرج عن الفرد أو المجتمع عندما يقع الخطأ، أو يتسنى تكليفًا معينًا، أو يُكره إكراهًا على فعل من الأفعال، مثل أن يجتهد في تحصيل القبلة ولم يستطع وليس لديه معالم ثم يتحراها ويصلي فيتبين خطؤه، فلا حرج عليه، أو ينسى في نهار رمضان فيأكل أو يشرب فلا حرج عليه ويتم صومه، أو يكره على النطق بطلاق، أو كلمة كفر وإلا سيهلك فلا حرج لو نطق بلسانه دون اعتقاد قلبه، وغيرها كثير قال تعالى: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا)، وقال عليه الصلاة والسلام: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».

النهي عن الغلو في الدين:

والمقصود النهي عن التجاوز عن الحد الشرعي الذي وضعه الشارع لهذا الدين، فالغلو ليس له حد ينتهي إليه، ولذا جاءت النصوص الخاصة بالنهي عن الغلو، ومن ذلك النهي عن الغلو في الدين نفسه قال تعالى: ( لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ )، ومنه النهي عن الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم  نفسه، روى الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد الله ورسوله». ومنه النهي عن الزيادة فيما شرع الله، روى الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، واشتهرت قصة الثلاثة الذين جاءوا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم  يسألون عن عبادته فتقالُّوها فقال أحدهم: إني أصوم ولا أفطر، وقال الآخر أصلي ولا أنام، وقال الثالث لا أتزوج النساء، فعلم أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم  فقام منكرًا عليهم حتى قال عليه الصلاة والسلام: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».

النهي عن التكلف والشطط:

ومن معالم التيسير النهي عن التعمق والتكلف فيما لم يرد به الشرع والضغط على النفس، قال عليه الصلاة والسلام بعد أن ذكرت له أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من صلاة امرأة أتعبت نفسها فقال: «مه، عليكم بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا»، وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم وغيره: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا.

تكفير السيئات:

وهذه من أعظم المعالم: أن جعل الله تعالى مكفرات للذنوب حتى لا تتراكم هذه الذنوب على الإنسان ومن ثَمَّ يهلك في الدنيا والآخرة، فجعل الله تعالى له هذه المكفرات تمحى بها ذنوبه، بل أعظم من ذلك تبدل سيئاته حسنات، ومن أعظم هذه المكفرات: التوبة فهي تجب ما قبلها، والأعمال الصالحة من الوضوء، والصلاة، والإنفاق، والصيام، والحج، والعمرة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والبر والإحسان وغيرها، وقد تواترت النصوص وتنوعت وتعددت على تقرير هذا المعلم العظيم بما لا يجهله مسلم. ولا شكّ أن هذا من أعظم معالم التيسير في هذا الدين الذي يفتح آفاقًا عظيمة للمسلم، ويجدد فيها حياته، وينطلق في بنائها لما ينفعه وينفع أمته.

تغليب جانب الرحمة والعفو على الشدة والعقاب:

وهذا معلم في غاية الأهمية، وذلك أن نوازع الخير والشر موجودة في الإنسان، وأحوال الحياة متنوعة، ومن هنا وجه الإسلام إلى الأخذ بمبدأ الرحمة، وسمى الله نفسه بـ(الرحمن) و(الرحيم) و(الرؤوف) و(العفو) وغيرها فهو متصف بالرحمة والرأفة والعفو، ووصف بها رسوله صلى الله عليه وسلم  قال تعالى:( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ).

وأمر المؤمنين أن يتصفوا بهذه الصفات مع غيرهم من المسلمين وغير المسلمين حتى مع الحيوانات.

وعندما تتعارض المواقف رغب الإسلام في أخذ جانب العفو، والصفح، والمسامحة، والإحسان، والرحمة، قال تعالى: ( وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى )، (إِ نَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ )، (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ﴾ فتصوّر - أخي القارئ – أن هذه المعاني انتشرت، في نفس كل مسلم وفي معاملته مع الآخرين من أسرته ومجتمعه، ومع المسلم وغير المسلم، كيف يكون أثرها عظيمًا في الطمأنينة والسكينة، والأمن النفسي، والاستقرار المجتمعي، ونشر هذا الدين، والنتاج والنماء؟!

من مجالات التيسير في الشريعة:

لا نستطيع أن نحصر هذه المجالات فقد كُتب فيها مجلدات، ولكن حسبي أن أشير إشارات سريعة لضرب أمثلة تفتح آفاق المسلم للسعة والرحبة في دينه الذي يمارسه في جميع شؤون حياته:

في العقيدة: بنيت عقيدة المسلم على الوضوح والسهولة والبُعد عن التعقيد والتكلف والشطط، ومن أهم مقررات هذه العقيدة بناؤها على أركان الإيمان الستة الواضحة، فليس فيها رموز لا يفهمها إلا أناس معينون، أو طلاسم لا تفقه، أو أمور لا يتحملها البشر.

في الطهارة: سهولتها فيكفي الوضوء عن الحدث الأصغر، والتيمم بدله إن لم يستطع استعمال الماء أو تعذر استعماله وإزالة النجاسة بالماء فحسب وغير ذلك.

في الصلاة:  ونماذج التيسير فيها كثيرة جدًّا، ومنها: تخفيفها إلى خمس صلوات مفروضة بدل خمسين، ومنها سعة وقت كل صلاة، ومنها عدم التكلف فيها، والتشديد في عدم الإطالة على المأمومين، ومنها قصر الصلاة للمسافر، وجمع صلاتي الظهر والعصر للمسافر والمريض، وكذا جمع المغرب والعشاء في المطر والسفر والمرض، ومنها الصلاة جالسًا إن لم يستطع قائمًا، ومضطجعًا على جنبه إن لم يستطع جالسًا وغيرها كثير.

أما الزكاة: فيكفي الإشارة إلى أن النسبة المقررة لا تتجاوز 2.5، وهذه قليلة إذا نسبت إلى ما أعطى الله تعالى للعبد.

أما الصوم: فيكفي أن الواجب صيام شهر في العام.

وغير ذلك مما لا يتسع المقام لحصره، ولكن الإشارة تغني عن العبارة، ومحل التفصيل الكتب المطولة.

التيسير والحج:

من أعظم المجالات التي يظهر فيها مبدأ التيسير هو الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج إلى بيت الله الحرام، ذلكم أن الحج يتسم بسمات يظهر التيسير فيها بوضوح، ومن أهم هذه السمات:

·    أنه حركة جماعية مضبوطة بزمان محدد، ومكان محدد.

·    أن أداءها متجدد بمعنى أن الأفراد الذين يحجون يختلفون في الغالب كل عام.

ولا شك أنه إذا تصورنا هذا الأداء العظيم ورأينا التشريع في الحج وجدنا معالم التيسير واضحة في جميع شعائره، ومن ذلك:

·    أن الحج لم يفرض إلا مرة في العمر، وبشرط أن يكون مريد الحج مستطيعًا استطاعة بدنية ومالية، فلم يفرض كل عام، ولم يفرض على غير المستطيع، وهذا فضل عظيم من الله جل وعلا.

·    أن فضل الحج من أعظم الفضائل إذا أدّاه الحاج بشروطه وأركانه وواجباته فتُكفّر جميع سيئاته، ويدخل الجنة.

·    أنه إذا تلبس الحاج بالحج ثم اشترط عند إحرامه لو عرضه عارض من عدم إكماله أنه لا يترتب عليه شيء.

·    أن الأركان التي لا يقوم الحج إلا بها قليلة، ووقتها واسع.

·    التخيير بين المناسك الثلاثة: التمتع، والقران، والإفراد، فلم يفرض منسكًا معينًا يتعسر أداؤه على بعض الحجاج.

·    التخيير في ترتيب أعمال يوم العيد: الرمي والحلق والطواف والنحر.

·    أن من قصّر في الواجبات أو بعضها فإن هذا الواجب يجبر بدم وحجه صحيح.

·    أن من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام فإن كان عمدًا فعليه أن يستغفر ويتوب، ويخرج فدية المحظور، وإن كان جهلًا أو نسيانًا فليس عليه شيء.

·    أن أعمال الحج كلها مبنية على اليسر في الأداء من حيث الوقت، وبعضها من حيث النيابة كالرمي.

وغير ذلك مما لا يحصى وهذا فضل الله تعالى على هذه الأمة أن جعل هذه الفريضة الجماعية سهلة وميسورة مع عظم ثوابها وجزائها.

همسة – في التيسير في الحج – لطلبة العلم والدعاة:

من الجهود التي تذكر وتشكر ما تبذله الدولة – وفقها الله للخير – من جهود جبارة، وأعمال جليلة، ومنها: ما تبذله وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في مجال إرشاد الحجاج وتوعيتهم والإجابة على أسئلتهم وحل إشكالاتهم. وكذا حرص كثير من الدعاة وطلبة العلم على هذه المشاركة الإيجابية الكبيرة ونسأل الله تعالى أن يضاعف للجميع الأجر والمثوبة.

ولعل من المناسب هنا أن أذكّر ببعض مجالات التيسير المتبادلة بين الداعية والحاج في مجال التوجيه والإرشاد والإجابة على الأسئلة، ومنها:

·    توجيه الحجاج للأخذ بمبدأ التيسير على أنفسهم فيما لا يخلوا بالشروط والأركان والواجبات، ومن الملاحظ أن كثيرًا من الحجاج يشقوا على أنفسهم بل يصل الأمر إلى التعمق في أمر مستحب مع إهمال الركن أو الواجب.

·    توجيه الحجاج للاشتغال بأمور حجهم واستغلال هذه الأيام الفاضلة والأمكنة الفاضلة، وألا ينشغلوا في أمور جزئية أو مضيعة للوقت أو خارجة عن شؤون الحج.

·    هناك كثير من الحجاج معهم مفتون من بلادهم أو مقتفون مذهبًا من المذاهب الفقهية المعتبرة فيراعى هؤلاء لأجل ألا تتناقض الفتوى، ومن المعلوم أن الخلاف سائغ إذا كان بدليله.

·    تحذير الحجاج من تعدد الفتوى حتى لا يقعوا في الاضطراب.

·    تنبيه الحجاج للتفريق بين الأركان والواجبات والمحظورات حتى لا تتراكم الأخطاء عند الوقوع فيما يعتبره الداعية خطأ عليه أن يفرق بين ما كان قبل الوقوع، أو ما كان بعد الوقوع، ومن المعلوم أن الفسحة فيما بعد الوقوع أعظم وبخاصة في المسائل الخلافية.

·    التنبيه إلى عدم التسرع في إيجاب الدماء أو الفدية وبخاصة في المسائل التي تقع جماعية.

·    ملاحظة أحوال المتغيرات في الحج كأحوال الزحام، وإيجاد المخارج الشرعية لهذه المتغيرات.

وغير ذلك مما لا يخفى على أنظار طلاب العلم وأختم بوصيتهم ونفسي بتقوى الله تعالى والتثبت وعدم التسرع، والتحمل، وليبشروا بالخير العظيم والثواب الجزيل.

ضوابط وحدود:

ولعلنا بعد هذه الجولة مع التيسير أن نجيب على تساؤل طالما طرح، وتعددت الإجابة فيه، بل وتوسع كثيرون في تطبيقه، فهل لهذا التيسير ضوابط أو هو مطلق لا حدود له؟ أو هو راجع إلى كل مفتٍ بحسبه؟ وهل يشترك في النظرة عامة الناس؟ وما تلك الضوابط؟

وقبل الإجابة أقول: أنه لا شكّ أن هذا المقصد العظيم من مقاصد الشريعة كثر استخدامه في هذا الوقت، وتعددت محاور نقاشه، كما تعددت طريقة تطبيقاته مما جعل مفهومه عند كثيرين مرتبكًا يصل إلى حد تمييع النصوص الشرعية عند البعض، مما جرأ آخرين للقول على الله بغير علم ومن ثَمَّ فتح هذا التمييع بابًا للأخذ بالأشد فكان هناك طرفان كلاهما ذميم في التعامل مع هذا المبدأ العظيم.

ومن هنا وجب بيان ضوابط وحدود التيسير المراد شرعًا، ومن أهم هذه الضوابط:

·    أن يُبنى التيسير على دليل من الكتاب أو السنة فلا يجوز تحكيم الأهواء أو الشهوات أو ابتداع قول لم يرد طوال تاريخ المسلمين أو الاستجابة لما يسمى ضغط الواقع، أو لمعطيات العصر ونحو ذلك، فالله سبحانه وتعالى أكمل الدين وأتم النعمة.

·    ألا يتعارض التيسير مع نص من الكتاب أو السنة، فالله سبحانه وتعالى أمرنا عند التنازع أن يرد الأمر لله ولرسوله قال تعالى: ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ).

·    عدم مجاوزة ما يفيده الدليل والبحث عن مخرج ولو بالرأي المجرد ومثال ذلك ليتضح الأمر من لم يستطع أن يصلي قائمًا فعليه أن يصلي قاعدًا لكن ليس له أن يتجاوز إلى أن يصلي مضطجعًا.

·    الحذر من الخلط بين التيسير العام والضرورات، فالضرورة تقدر بقدرها، وأعتقد أن في زماننا خلطًا عجيبًا بين الأمرين فجعلت الضرورات هي الأصل ولبست لباس التيسير.

·    ألا يخرج التيسير عن مقاصد الشرع فلا يعتمد على العقل وحده، أو الهوى، أو رغبات النفوس، أو التقليد للآخرين.

وبناء على هذه الضوابط فليس من التيسير:

·    التفريط في الأحكام الشرعية.

·    ولا الإخلال بالمفاهيم الإسلامية.

·    ولا العبث بمصادر الاستدلال.

·    ولا إعطاء العقول الحق المطلق لتفسير  النصوص.

·    ولا تحكيم الأهواء والرغبات.

·    ولا استيلاء المصالح الشخصية على الأحكام.

·    ولا خلط المصطلحات.

·    ولا تتبع الرخص التي لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ونحو ذلك مما اختلطت فيه المفاهيم.

وأخيرًا:

إذا أخذ المسلمون بهذا المبدأ دون غلو أو شطط أو تساهل وتمييع فيعيشون بحق وسطية هذا الدين، ورحمته، ومحبته، وسعادته، وخيريته، وسينتشر الخير والفضيلة، وسيعم الأمان والطمأنينة، وتفشو السعادة والرخاء، وتقل الجريمة والفحشاء.

وبالمقابل إذا أخذ الناس بالشدة والعسر، أو بالتفريط والتساهل، فستنحرف الأمة عن المسار الصحيح، وتتكلف ما لا تطيق، وتنقل الدين إلى الناس بأفهام خاطئة، ويسيطر القلق على النفوس والمفاهيم، وأخطرها: القول على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم  بغير علم ويحصل الغي والضلال، والبُعد عن المنهج الرشيد. وقانا الله تعالى الانحراف، وجميع الشرور والآثام، والله من وراء القصد.