بم يذكرنا حر الصيف ( 2 ـ 2 )

 

  قد تحدث أحيانا حوادث غير معتادة تذكر بالنار كالصواعق و الريح الحارة المحرقة للزرع قال الله تعالى : { و يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء } و قد روي أن الصواعق قطعة من نار تطير من في الملك الذي يزجر السحاب عند اشتداد غضبه و قال الله تعالى : { فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت } والإعصار : الريح الشديدة العاصف التي فيها نار و الصر : الريح الشديدة البرد و قد عذب الله تعالى قوم شعيب بالظلة و روي أنه أصابهم حر أخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت إلى الصحراء فأظلتهم سحابة فوجدوا لها بردا فاجتمعوا تحتها كلهم فأمطرت عليهم نارا فأحرقوا كلهم فكل هذه العقوبات بسبب المعاصي و هي من مقدمات عقوبات جهنم و أنموذجها و مما يدل على الجنة و النار أيضا ما يعجله الله في الدنيا لأهل طاعته و أهل معصيته فإن الله تعالى يعجل لأوليائه وأهل طاعته من نفحات نعيم الجنة و روحها ما يجدونه و يشهدونه بقلوبهم مما لا يحيط به عبارة و لا تحصره إشارة حتى قال بعضهم : إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه فإنهم في عيش طيب قال أبو سليمان : أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم و قال بعضهم : الرضا باب الله الأعظم و جنة الدنيا و مستراح العابدين قال الله تعالى : { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } قال الحسن : نرزقه طاعة يجد لذتها في قلبه أهل التقوى في نعيم حيث كانوا في الدنيا والبرزخ وفي الآخرة

             

              العيش عيشهم و الملك ملكهم  *   ما الناس إلا هم بانوا أو اقتربوا 

 

 و أما أهل المعاصي و الإعراض عن الله فإن الله يعجل لهم في الدنيا من أنموذج عقوبات جهنم ما يعرف أيضا بالتجربة و الذوق فلا تسأل عما هم فيه من ضيق الصدر و حرجه و نكده و عما يعجل لهم من عقوبات المعاصي في الدنيا و لو بعد حين من زمن العصيان و هذا من نفحات الجحيم المعجلة لهم ثم ينتقلون بعد هذه الدار إلى أشد من ذلك و أضيق و لذلك يضيق على أحدهم قبره حتى تختلف فيه أضلاعه و يفتح له باب إلى النار فيأتيه من سمومها قال الله تعالى : { و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا } وورد في الحديث المرفوع تفسيرها بعذاب القبر ثم بعد ذلك يصيرون إلى جهنم و ضيقها قال الله تعالى : { وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا } و مما يدل أيضا في الدنيا على وجود النار الحمى التي تصيب بني آدم و هي نار باطنة فمنها نفحة من نفحات سموم جهنم و منها نفحة من نفحات زمهريرها و قد روي في حديث أبي هريرة عند الإمام أحمد وابن ماجه ( أنها حظ المؤمن من النار ) و المراد أن الحمى تكفر ذنوب المؤمن و تنقيه منها كما ينقي الكير خبث الحديد، وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد) . وإذا طهر المؤمن من ذنوبه في الدنيا لم يجد حر النار إذا مر عليها يوم القيامة لأن وجدان الناس لحرها عند المرور عليها بحسب ذنوبهم فمن طهر من الذنوب و نقي منها في الدنيا جاز على الصراط كالبرق الخاطف و الريح و لم يجد شيئا من حر النار و لم يحس بها فتقول النار للمؤمن : جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي .

ومن أعظم ما يذكر بنار جهنم النار التي في الدنيا قال الله تعالى : { نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين } يعني : أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تذكر بنار جهنم مر ابن مسعود بالحدادين وقد أخرجوا حديدا من النار فوقف ينظر إليه ويبكي وروي عنه أنه مر على الذين ينفخون الكير فسقط وكان أويس يقف على الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير و يسمع صوت النار فيصرخ ثم يسقط وكذلك الربيع بن خيثم وكان كثير من السلف يخرجون إلى الحدادين ينظرون إلى ما يصنعون بالحديد فيبكون ويتعوذون بالله من النار ورأى عطاء السليمي امرأة قد سجرت تنورها فغشي عليه قال الحسن : كان عمر ربما توقد له النار ثم يدني يده منها ثم يقول : يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر، وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع أصبعيه فيه ويقول حس ثم يعاتب نفسه على ذنوبه،             

وأجج بعض العباد نارا بين يديه و عاتب نفسه فلم يزل يعاتبها حتى مات .

نار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم و غسلت بالبحر مرتين حتى أشرقت وخف حرها و لولا ذلك ما انتفع بها أهل الدنيا وهي تدعو إلى الله أن لا يعيدها إليها .

قال بعض السلف : لو أخرج أهل النار منها إلى نار الدنيا لقالوا فيها ألفي عام يعني أنهم كانوا ينامون فيها ويرونها بردا، وكان عمر يقول : أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد، وكان ابن عمر وغيره من السلف إذا شربوا ماء باردا بكوا وذكروا أمنية أهل النار وأنهم يشتهون الماء البارد وقد حيل بينهم و بين ما يشتهون ويقولون لأهل الجنة : { أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } فيقولون لهم : { إن الله حرمهما على الكافرين } و المصيبة العظمى حين تطبق النار على أهلها و ييأسون من الفرج و هو الفزع الأكبر الذي يأمنه أهل الجنة : { الذين سبقت لهم منا الحسنى } .

 

     لو أبصرت عيناك أهل الشقا   *   سيقـوا إلى النار وقد أحرقوا  

     شرابهم المهـل في قعـرها    *   إذ خالفوا الرسل وما صدقوا  

     تقول أخـراهـم لأولاهم    *   في لجج المهـل وقـد أغرقوا  

     قد كنتموا خوفتـم حرها     *   لكن من النـيران لم تفـرقوا  

     وجيء بالنـيران مذمومة      *   شرارها من حولــها محدق  

     وقيل للنـيران أن أحرقي      *  وقيل للخـزان أن أطبــقوا

 

                  

  من ( لطائف المعارف ) لابن رجب الحنبلي  باختصار وإضافة

 

 

Free Clash Royale Account Free Roblox Accounts https://yourfreeaccountspasswords.com Free Roblox Accounts


بحث عن بحث