بحث عن بحث

من أداب الصوم (1-2)

 

الحمد لله الأعلى، يعلم السر وأخفى، خلق فسوى، وقدَّر فهدى، وأصلي وأسلم على النبي المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم واهتدى، أما بعد:

فقد وقفنا فيما سبق مع هدف الصيام الأَسمى، وغايته العليا، ألا وهي: تقوى الله، ونقف اليوم وقفات نتذكر فيها عظم هذا الصوم وآدابه، وبخاصة في هذا الشهر المبارك، ويعظم الشيء بِعِظَم ما يحيط به، ولا ريب أن هذا الركن العظيم ليس أمرًا عاديًّا عند المسلم الحق، وهو ينفذ أمر ربه صائمًا، فليس الصوم مجرد شعار يرفعه، أو حالة معينة يرفض فيها تناول المفطرات الحسية ومن ثمَّ يعود إليها في ساعات الليل.

بل هو مع هذا عبادة جليلة لها أجرها العظيم وثوابها الجزيل: «الصوم لي وأنا أجزي به»(1)، وهذا فيما إذا تحققت فيها آدابها وشروطها التي نجملها في الوقفات الآتية:

 

الوقفة الأولى:

يقف في مقدمة شروط الصيام وآدابه، بل هو رأسها والتي لا يقبل إلا بتحقيقها: «النية الخالصة في الصيام» وشأن الصيام شأن أي عبادة لله، فالمكلف لا تقبل منه أي عبادة إلا بهذه النية؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5]، وقد ذكر أهل العلم أن نية صيام الفرض يجب أن تبيت من الليل؛ لما روى ابن عمر عن حفصة مرفوعًا: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له»(2) ولا يلزم التلفظ بهذه النية، ولكن يقوم مقام ذلك استشعاره للقيام لتناول وجبة السحر مثلًا، أو أي عمل أو قول يدل على ذلك.

 

وعليه فينبغي للصائم أن يستشعر نية صيامه وأنه – أعني الصيام – عبادة يتقرب بها إلى مولاه، فلم يترك طعامه وشرابه وشهوته وقضاء وطره إلا تنفيذًا لأَمر مولاه، وهذا كله يشعرنا بأخطاء يقع فيها كثير من الصائمين بقصد أو بغير قصد، فذلك الذي لا يهتم لقدوم الشهر وإهلال هلاله، والآخر المسافر الذي يتردد بين الفطر ومواصلة الصوم، والثالث الذي لا يعرف من صيامه إلا ترك الأَكل والشرب والنكاح دون حضور قلبي لعظم الأَجر والثواب، هؤلاء وأمثالهم قد عرضوا صيامهم للنقص والخلل.

فحري بنا – أخي المسلم – أن نجدد نية الصيام كل ليلة؛ ليعظم الأَجر ويزداد الثواب، ومما يكمل به قبول العمل مع النية: أن يكون الصوم على منهاج رسول الله لا يخدش بأي من المفطرات الحسية أو المعنوية.

 

الوقفة الثانية:

ومما يحصل عند كثير من الناس حال صومهم: عدم استشعار هدف الصوم وأحكامه وحكمه، فيقع في كثير من المفسدات والمنقصات للأَجر، فلا يكون له من صيامه إلا الجوع والعطش، تأمل أخي الصائم وأنت تارك للملذات بأنواعِها: لِـمَ فعلت هذا ولم تستطع مخالفته؟ إن إجابتك على مثل هذه الأسئلة تجعلك تسلك طريق الوصول إلى تحقيق أهداف الصيام التي من أعظمها تقوى الله سبحانه وتعالى.

إن تأملك – أخي المسلم – لحكم الصيام العظيمة الأُخرى يجعلك تحقق صومك وترقى إلى درجة تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، ودخول الجنة من باب الريان، إن الإِنسان وهو في غمرة الحياة، وبين مشاغلها ومتعها وتعبها قد يذهب قلبه عن استشعار تلك الحكم، فتأمل يا أخي ما أنعم الله به عليك؛ فأنت آمن في وطنك، شبعان ريّان، تنام على فراشك الوثير، تلتحف الناعم من الفرش، وتأكل الأطايب من الطعام، أليس الصيام الحقيقي يشعرك أن هناك فئاتٍ من المسلمين يعانون من الجوع والخوف ويفترشون الأَرض ويلتحفون السماء؟

إن الصائم الحقيقي هو الذي يجيش في قلبه مثل هذه المشاعر والخواطر، فيدفعه لأَن يبذل من إمكاناته وقدراته، وما أنعم الله به عليه؛ لتشغيل جميع جوارحه بالصيام، فينطلق في أبواب الخير المتعددة مساهمًا فيها بقدر ما منحه الله تعالى، والآخر – هدانا الله وإياه – والذي فقد – أو ضعف عنده – استشعار الهدف والحكم من تلك العبادة العظيمة، لم يسجل في سجلاته إلا ترك الأَكل والشرب، فرضي لنفسه أن يعيش بلا طموح يرفعه إلى درجة السابقين بالخيرات.

___________

([1]) رواه البخاري مع الفتح (4/118)، برقم(1904) في الصيام، باب هل يقول: إني صائم، ومسلم (2/806)، برقم(1151) في الصيام، باب فضل الصيام.

([2]) رواه أبوداود (1/745)، برقم(2454) في الصيام، باب النية في الصيام، وابن خزيمة (1933)، وأحمد في المسند (6/287).