بحث عن بحث

الرسول  وآداب الصيام (2-4)

ومن أهم الآداب في هديه ﷺ: أن يكون الصائم متبعًا فيه هديه ﷺ وسائرًا على منهاجه، ومن ذلكم صيامه من جميع المفطرات الحسية والمعنوية.

والمفطرات الحسية: كالأكل والشرب والجماع ومقدماته، فيصون نفسه من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، قال تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}(1).

فمن أكل أو شرب من بعد طلوع الفجر إلى غروب الشمس من غير عذر فقد ارتكب جرمًا عظيمًا، واحتمل إثمًا مبينًا، روى أصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  ﷺ قال: «من أفطر صومًا من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه»(2)، وهذا وإن استدل به على عظم الوزر والإثم لا ينفي وجوب القضاء. ويتبع الأكل والشرب كل ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف أو الفم مما يغذى به الجسد كالإبر المغذية ونحوها.

ومن المفطرات الحسية: الجماع في نهار رمضان، وهو أعظم المفطرات وأكثرها إثمًا وأشدها جرمًا، فمع بطلان الصوم وفساده يجب القضاء والكفارة المغلظة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، مع التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله جل وعلا. ومن هذا نعلم أن هذه الأمور المحظورة في نهار رمضان تعطي دلالة واضحة للصائم بأن عليه أن يصون صومه وأن يبتعد عن كل شبهة تؤدي إلى إفساده، «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه»(3)

ومن أهم الأشياء المعنوية التي يجب تركها تمشيًا مع هديه ﷺ: ما وجهنا إليه عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم»(4)

فإذا تأملت هذا التوجيه العظيم وأنت تصوم هذا الشهر الكريم وجدت منهاجًا خلقيًا خطه عليه الصلاة والسلام، يجب أن تتمثله في حياتك، وهذا فضل عظيم وثواب جزيل، وغاية يجب أن يسعى إليها المسلم الذي هذبه صومه وقوّم خلقه وأدَّب جوارحه، فصومه يمنعه من الفحش والبذاءة كما يمنعه من دواعي الجماع في نهار رمضان، لئلا يقع في المحظور، ويعني ذلك أنه لا يستعمل إلا القول الحسن والفعل الطيب، مبتعدًا عما يخدش صومه من المحرمات أو المكروهات؛ بل ينبغي أن يصل إلى درجة أعلى، تلكم هي ضبط النفس وكبح الانفعالات عندما يعتدى عليه بكلمة غير مناسبة أو لفظ غير لائق أو سباب أو شتائم، ولا يكتفي بعدم الرد، إنما ينبه الآخر إلى أن سبب منعه من مجاراته في خلقه المشين هو الصوم، ألا ما أجمل الصائم عندما يهتدي بهدي رسول الله ﷺ ويتحلى بتلك الآداب التي تظهر على جوارحه!

أما المجتمع المسلم الذي يؤدي أفراده هذه العبادة الجليلة ويتخلقون بهذا الخلق النبيل؛ فلا شك أن مجتمعًا كهذا قائمًا بما أمر الله وانتشرت فيه الآداب الإسلامية والأخلاق الإيمانية، يكون مدرسة دعوية تخرج الصالحين بأعمالهم وأخلاقهم وسلوكهم قبل أقوالهم.

ألا فلْنَعِ هذا معشر الصائمين ليتحقق الخير في الدنيا والآخرة، رزقني الله وإياكم ذلك، وجعلنا هداة مهتدين، إنه سميع قريب مجيب، وهو المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [البقرة: 187]

(2) أخرجه أحمد (2/386)، وأبو داود (2396)، والترمذي (723)، وابن ماجه (1672)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (5462).

(3) جزء من حديث أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599).

(4) أخرجه البخاري (1894)، ومسلم (1151).