بحث عن بحث

هدي الرسول في الجود والإنفاق (1-2)

إن الحديث عن سيرة رسول الله ﷺ في رمضان يحرك الأذهان، فيما يتمتع به رسول الله ﷺ في جميع أوقاته، وبخاصة شهر البركات والخيرات، وشهر الجود والرحمات، وشهر المواساة وتلبية الحاجات، من كرمه وجوده وإنفاقه وسخائه عليه الصلاة والسلام.

روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: «كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة«(1).

هكذا كان عليه الصلاة والسلام جوادًا كريمًا سخيًا على الأقارب والمحتاجين والفقراء والأيتام وذوي الحاجات، ومن يحتاجون إلى مواساة، يصفه الإمام ابن القيم رحمه الله بقوله: كان رسول الله ﷺ أعظم الناس صدقة بما ملكت يداه، وكان لا يستكثر شيئًا أعطاه الله تعالى ولا يستقله، وكان لا يسأله أحد إلا أعطاه، قليلًا كان أو كثيرًا، وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه، تارة بطعامه وتارة بلباسه، وكان ينوع في أصناف عطائه وصدقته، فتارة بالهبة، وتارة بالصدقة، وتارة بالهدية، وتارة بشراء الشيء، ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعًا..، وكانت صدقته وإحسانه بما يملكه وبماله وبقوله، فيُخرج ما عنده، ويأمر بالصدقة ويحض عليها، ويدعو إليها بحاله وقوله، فإذا رآه البخيل والشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء، وكان هديه ﷺ يدعو إلى الإحسان والصدقة والمعروف(2).

ثم قال رحمه الله: إذا فهمت ما تقدم من أخلاقه ﷺ فينبغي للأمة التأسي به ﷺ في السخاء، والتمسك بالاقتداء به، والإكثار من ذلك في شهر رمضان لحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل الكثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم، ولشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل، وإدامة الصائمين والقائمين والمتعبدين على طاعتهم، فيكتب لهم مثل أجورهم(3). ا.هـ.

هذا هو هدي رسول الله ﷺ مع الجود والكرم في رمضان، وقد جاء فضل الإنفاق في سبيل الله في آيات كثيرة، وأحاديث نبوية شريفة، ومن ذلك ما يلي:

قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(4).

وقال سبحانه: {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}(5).

وقال سبحانه في بيان أجر المنفقين وسعة أجورهم وثوابهم ومضاعفتها: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(6).

ويقول عز وجل: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(7).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري (1902)، ومسلم (2308).

(2) زاد المعاد (2/22 – 23) بتصرف يسير.

(3) المرجع السابق.

(4) [البقرة: 110]

(5) [سبأ: 39]

(6) [البقرة: 261]

(7) [آل عمران: 133 – 134]