بحث عن بحث

نماذج عملية من أخلاق رسول الله ﷺ (1-2)

لقد امتدح الله عز وجل أخلاق النبي ﷺ في كتابه، وأثنى عليه في مواطن كثيرة منه، بيانًا لحاله عليه الصلاة والسلام، وترغيبًا في الاقتداء به والتأسي بأفعاله ﷺ.

وقد سبق التعرض لخلق من أخلاقه الشريفة، ألا وهو خلق التواضع وخفض الجناح، ولو ذهبنا نتتبع أخلاقه وبيان فضائلها لطال بنا المقام، ولكن لابد من بيان بعض هذه الأخلاق، وتجلية بعض هذه الصفات والشمائل المحمدية.

أولًا: رحمته ﷺ، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}(1).

ولقد أصابت هذه الرحمة الصغير والكبير، والذكر والأنثى، حتى الحيوان لم يحرم من هذه الرحمة وهذه الشفقة، وقد كان ﷺ يبكي في بعض المواطن، ويتنازل عن حقوقه، ويذرف الدموع رحمة وشفقة، ومن ذلك: أن قريشًا فعلت ما فعلت من عداوته، بل والاعتداء عليه ومحاولة قتله والصد عن دعوته، فلما فتح الله تعالى عليه مكة، كان موقفًا غير متوقع، يقول عمر رضي الله عنه: لما كان يوم الفتح ورسول الله ﷺ بمكة، أرسل إلى صفوان بن أمية وسفيان بن حرب والحارث بن هشام، قال عمر: فقلت: لقد أمكن الله منهم، لأعرفنهم بما صنعوا، حتى قال رسول الله ﷺ: مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(2).

قال عمر: فافتضحت حياءً من رسول الله ﷺ كراهية أن يكون بدر مني، وقد قال لهم رسول الله ﷺ ما قال(3).

ومن ذلك ما جاء في الصحيح: أن النبي ﷺ ذكر ذات يوم رجلًا أسود، فقال: «ما فعل ذلك الإنسان؟ قالوا: مات يا رسول الله. قال: أفلا آذنتموني؟ فذكروا قصته وحقروا من شأنه، فقال عليه الصلاة والسلام: دلوني على قبره، فأتى قبره فصلى عليه«(4).

وأخرج الشيخان: أن نبي الله ﷺ قال: «إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي لما أعلم من وجد أمه من بكائه«(5).

ومن رحمته ﷺ بالحيوان ما قاله عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فرأينا حُمّرة – طائر مثل العصفور– معها فرحان لها فأخذناهما، فجاءت الحمرة تفرش (أي: ترفرف) فلما جاء الرسول ﷺ قال: «من فجّع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها«(6).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [التوبة: 128]

(2) [يوسف: 92]

(3) انظر: زاد المعاد (3/394 – 408) .

(4) أخرجه البخاري (1321)، وسلم (954).

(5) أخرجه البخاري (709، 710)، ومسلم (470) .

(6) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (382)، وأبو داود (2675)، والحاكم (4/239)، وصححه ووافقه الذهبي .