بحث عن بحث

مفهوم اليسر في الدين، وضوابطه

حديث: ما من أحد يدخل الجنة بعمله

 

1- عن أبي هريرة س قال: قال رسول الله ق: «لن ينجي أحدا منكم عمله» قالوا، ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا».

 

2- وعن عائشة ك أن رسول الله ق قال: «سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يدخل أحدا الجنة عمله» قالوا، ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة».

 

3- وفي رواية عنها: «سددوا وقاربوا واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة ، وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله وإن قل».

 

أولاً: مفهوم اليسر:

اليسر اليُسْرُ لغة: ضد العُسْرِ. ومنه “الدِّين يُسْرٌ” أي سهلٌ سَمْحٌ قليل التشديد([1]).

 

أما في الاصطلاح: فهو تطبيق الأحكام الشرعية بصورة معتدلة كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه ق، من غير تشدُّد يُحرِّم الحلال، ولا تميُّع يُحلِّل الحرام.

 

ويدخل تحت هذا المسمى السماحة والسعة ورفع الحرج وغيرها من المصطلحات التي تحمل المدلول نفسه([2]).

 

ثانيًا: ضابط اليسر:

إذا تقرر ما مفهوم اليسر، فإن هذا اليسر له ضوابط تنظمه وتضبطه، وتتلخص في العناصر التالية :

 

1- أن يكون التيسير ثابتا بالكتاب أو السنة: فلا يكون التيسير بحسب الهوى والتشهي واستحسان العباد واستقباحهم . فكل تيسير لا يستند إلى الكتاب أو السنة فهو تيسير ملغى؛ لأن الشرع لا يثبت بمجرد الاستحسان العقلي دون التقيد بالدليل.

 

2- عدم مجاوزة النص في الأخذ بالتيسير: فلا يجوز الاستزادة في التخفيف والتيسير على ما ورد به النص ، فلا يصح مثلا أن يقال أن مشقة الحرب بالنسبة للجنود تقتضي وضع الصلاة عنهم أو تأخيرها إلى القضاء فيما بعد. وإنه كلما كان التمسك بالنص الشرعي والتزام الحكم المستفاد منه، كان ما يفيده من التيسير ورفع الحرج أبلغ.

 

فإن الله سبحانه وتعالى رخص في الصلاة في الحرب بكيفية معروفة مشهورة في السنة النبوية، وتعرف بصلاة الخوف.

 

وهو ما رواه مالك، وعنه البخاري، ومسلم عن صالح بن خوات عمن: صلى مع رسول الله ق يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وصفت طائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم)([3]).

 

3- أن لا يعارض التيسير نصا من الكتاب أو السنة: فلا اجتهاد مع النص، فالكتاب والسنة هما المصدر الأساس لهذا الدين، وبقية الأدلة والأصول الشرعية تبع لهما، فمتى حصل تعارض بينهما وجب المصير إلى الأخذ بالنص.

 

4- أن يكون التيسير مقيدا بمقاصد الشريعة: فالشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح الخلق ، واليسر يجب أن ينطلق من الشرع ويتقيد بقيوده ، فلا التفات إلى تيسير يحكم به العقل وحده ، بل لابد أن يكون راجعا إلى حفظ مقصود من مقاصد الشرع، فإن ناقضه فليس بتيسير.


([1]) المعجم الوسيط ، مادة: يسر 2(2: 1078).

([2]) للتوسع في هذه القاعدة، يراجع كتابنا " اليسر والسماحة في الإسلام".

([3]) موطأ مالك (1: 183 رقم 440 )،كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف، وصحيح البخاري(ص: 699 رقم 4129 )، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع وصحيح مسلم(ص: 339 رقم 842 )، كتاب الصلاة، باب صلاة الخوف.