بحث عن بحث

المسجد وأحكامه

 

•    المسجد دار للقضاء والفتوى:

لا تقتصر مهمة المسجد في الأعمال العلمية فحسب، بل اتخذه المسلمون دارًا للإفتاء والقضاء، فقد عنون البخاري باباً في صحيحه سمَّاه، بَاب: «مَنْ قَضَى وَلَاعَنَ فِي المَسْجِدِ»، ثم قال: وَلَاعَنَ عُمَرُ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَضَى شُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ فِي المَسْجِدِ، وَقَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالْيَمِينِ عِنْدَ المِنْبَرِ، وَكَانَ الحَسَنُ وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى يَقْضِيَانِ فِي الرَّحَبَةِ خَارِجًا مِن المَسْجِدِ(1)

وأورد أيضاً بابًا سماه: «باب من حكم في المسجد»، وأورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه في حكمه على ماعز رضي الله عنه، وهو في المسجد؛ فذكر بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللّٰـهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّٰـهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعًا قَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ(2)

 

وكانت الوفود الكبيرة المستفسرة عن شئون دينها، والسائلة في أحكام شريعتها تفد إلى رسول الله ﷺ، فكان يقابلهم في المسجد، ويقضي حاجاتهم؛ فعن أَنَس بْن مَالِكٍ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ؛ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ ــ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ ــ فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ أَجَبْتُكَ. فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ اللهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللّٰـهِ اللهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي الْيَومِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللّٰـهِ اللهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِن السَّنَةِ؟ قَالَ: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللّٰـهِ اللهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ. وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ(3)

وغير ذلك من الأحاديث التي تفيد أن من مهمات المسجد كونه ميدانًا للفتوى والإجابة عن أسئلة الناس وحل مشكلاتهم وما يطرأ عليهم.

 

 

•  المسجد مأوى للمحتاجين وسكن للغرباء:

لقد اشتهر في السنة وجود مكان ملحق بالمسجد يسمى الصفة في عهد رسول الله ﷺ يأوي إليه من لا سكن له من الفقراء، وكان رسول الله ﷺ يرعاهم، ويعطف عليهم، ويطلب لهم شيئًا من الصدقة، فعن مُجَاهِد أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: أَللّٰـهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنْ كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِن الجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لَأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِن الجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِم الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ؛ فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللّٰـهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللّٰـهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِيُشْبِعَنِي فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي وَمَا فِي وَجْهِي، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللّٰـهِ. قَالَ: الْحَقْ. وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لِي فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ. فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَوْ فُلَانَةُ. قَالَ: أَبَا هِرٍّ؟ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللّٰـهِ. قَالَ: الـْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي، قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الْإِسْلَامِ لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَلَى أَحَدٍ؛ إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ كُنْتُ أَحَقُّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللّٰـهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِن الْبَيْتِ، قَالَ: يَا أَبَا هِرٍّ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللّٰـهِ. قَالَ: خُذْ فَأَعْطِهِمْ. قَالَ: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: أَبَا هِرٍّ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللّٰـهِ. قَالَ: بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ. قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللّٰـهِ. قَالَ: اقْعُدْ فَاشْرَبْ، فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: اشْرَبْ فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ اشْرَبْ حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْـحَقِّ مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا، قَالَ: فَأَرِنِي فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ(4)

 

وقصة مجيء فقراء قبيلة مضر حيث حث الصحابة على التبرع لهم وجمع لهم الصدقات، فعن جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ، مُجْتَابِي النِّمَارِ، أَو الْعَبَاءِ، مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ، عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ، بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ لِمَا رَأَى بِهِم الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ﴿ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْـحَشْرِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، قَالَ:فَجَاءَ رَجُلٌ مِن الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ، قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللّٰـهِ ﷺ يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللّٰـهِ ﷺ: مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ(5)

وهكذا كان المسجد مأوى للفقراء والمساكين كما كان مأوى للمصلين.

 

      المسجد مقر للشورى والالتقاء:

من المستحب أن يجتمع أهل الحي في المسجد يتشاورون فيه عما تصلح به أحوالهم، وعن المهمات الملقاة على عواتقهم، وقد كان كذلك في عهد رسول الله ﷺ، فأغلب مشاوراته كانت في المسجد، وكذا صحابته الكرام من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي ﷺ أسس مسجده المبارك على التقوى، فيه الصلاة والقراءة، والذكر، وتعليم العلم، والخطب، وفيه السياسة، وعقد الألوية والرايات، وتأمير الأمراء، وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم، وكذلك عماله على البوادي، فإنه لهم مجمعًا فيه يصلون، وفيه يساسون، ... وكان الخلفاء والأمراء يسكنون في بيوتهم كما يسكن سائر المسلمين في بيوتهم، لكن مجلس الإمام الجامع هو المسجد الجامع«(6)

وهذا الالتقاء له فوائده العديدة وثماره اليافعة، فمن خلال هذا التشاور يعدلون سلوك مخطئ، ويتنبهون لمريض فقدوه، ويطلعون على أحوال فقير فيساعدوه، ومحتاج فيعينوه، أو مدين فيتحملون عنه دَينه أو شيئًا منه،،، وهكذا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب: من قضى ولاعن في المسجد، (ذكره البخاري في ترجمة الباب)، ص: 1233-1234.

(2) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب: من حكم في المسجد، برقم: (7167)، ص: 1234، وصحيح مسلم، كتاب الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا، برقم: (1691)، ص:750.

(3) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: القراءة والعرض على المحدث، برقم: (63)، ص:15.

(4) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي ﷺ وأصحابه، برقم: (6452)، ص:1120.

(5) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، برقم: (1017)، ص: 410-411.

(6) الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، 35/39, بتصرف.