بحث عن بحث

رابعًا: الطعن في الأحاديث النبوية سندًا ومتنًا

ونقسمه إلى ما يلي:

أ – زعمهم أن الحديث مزيج من عقائد الأديان السابقة وأفكارها من اليهودية والنصرانية.

يقول بروكلمان: «وأغلب الظن أن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] قد انصرف إلى التفكير في المسائل الدينية في فترة مبكرة جدًا، وهو أمر لم يكن مستغربًا عند أصحاب النفوس الصافية من معاصريه الذين قصرت العبادة الوثنية عن إرواء ظمئهم الروحي. وتذهب الروايات إلى أنه اتصل في رحلاته ببعض اليهود والنصارى، أما في مكة نفسها فلعله اتصل بجماعات من النصارى كانت معرفتهم بالتوراة والإنجيل هزيلة إلى حد بعيد».

ويقول جولد تسيهر في كتاب «العقيدة والشريعة في الإسلام»: «لكي نقدر عمل محمد [صلى الله عليه وسلم] من الوجهة التاريخية، ليس من الضروري أن نتساءل عما إذا كان تبشيره ابتكارًا وطريفًا من كل الوجوه ناشئًا عن روحه، وعما إذا كان يفتح طريقًا جديدًا بحتًا. فتبشير النبي العربي ليس إلا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية، عرفها أو استقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحية وغيرها التي تأثر بها تأثرًا عميقًا والتي رآها جديرة بأن توقظ عاطفة حقيقية عند بني وطنه».

ويرى ريتشارد بل: مؤلف كتاب «مقدمة القرآن»: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمد في كتابته للقرآن على الكتاب المقدس، وخاصة على العهد القديم في قسم القصص، فبعض قصص العقاب كقصص عاد وثمود مستمد من مصادر عربية، ولكن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها محمد ليفسر تعاليمه ويدعمها قد استمده من مصادر يهودية ونصرانية، وقد كانت فرصته في المدينة للتعرف على ما في العهد القديم أفضل من وضعه السابق في مكة حيث كان على اتصال بالجاليات اليهودية في المدينة، وعن طريقها حصل على قسط غير قليل من المعرفة بكتب موسى على الأقل.

ونقول للرد على هؤلاء:

لا ريب أن هناك أمورًا مشتركة كثيرة في التشريعات بين الإسلام والديانات الأخرى، مما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن مصدر الديانات كلها من عند الله الواحد الأحد، وكلها تأتي إلى البشر عن طريق الوحي إلى الرسل والأنبياء، ورغم أن الديانات السابقة أصابها التحريف والزيادة والنقصان إلا أنه بقي منها بعض الأمور التي توافق القرآن الكريم والسنة النبوية كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿44وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 44- 45].

ثم إنه لو كانت رسالة الإسلام مقتبسة من تلك الأديان لما جاء في كتاب الله تعالى الأمر بمخالفتهم ومحاربتهم، وعدم موالاتهم ونصرتهم، هذا فضلا عما اتصف به صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من صدق وإخلاص لهذا الدين، فلو كان للقرآن علاقة بالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السماوية من حيث الاقتباس، لرأينا الكثير من هؤلاء الصحابة ينقلون إلينا ذلك، ولكن لم يحدث شيء من هذا، وهذا دليل على بطلان قولهم من أن السنة مزيج من العقائد والأديان السابقة.

ب – الطعن في رواة الحديث:

في رواياتهم لتأثرهم كثر القول في رواة الأحاديث النبوية في كتابات المستشرقين ووسائلهم الأخرى، ووضعوا مجموعة من هؤلاء الرواة الثقات موضع الشبهة والتشكيك بالأحوال السياسية أو الاقتصادية التي كانوا يعيشون فيها، وكان على قائمتهم عَلَمان كبيران ومن أعلام الرواية، وهما الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه  والإمام الزهري رحمه الله، وكان جولد تسيهر من أوائل الذين كتب عنهما وافترى عليهما الفريات العظام، معتمدًا في ذلك على الخلافات التي نشبت بين المسلمين بعد الخلافة الراشدة، والفتن التي مزقت الصف الإسلامي، فاستغلها أمثال تسيهر وغيره ليطعنوا في أهم مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وذلك بالطعن في رجال سنده. وهذه بعض الشبهات والتشكيكات التي أثارها المستشرق جولد تسيهر حول الإمام الزهري، وهي ليست كل الشبهات لأنها كثيرة، ولكننا نتناول هنا بعضها ونناقشها بموضوعية.

يقول أجناس جولد تسيهر فيما يفتريه على الإمام الزهري: «ولم يكن الأمويون وأتباعهم ليهمهم الكذب في الحديث الموافق لوجهات نظرهم، فالمسألة كانت في إيجاد هؤلاء الذين تنسب إليهم، وقد استغل هؤلاء الأمويون أمثال الإمام الزهري بدهائهم في سبيل وضع الأحاديث...إلخ».

ويقول أيضًا: «إن عبدالملك بن مروان منع الناس من الحج أيام فتنة ابن الزبير، وبنى قبة الصخرة في المسجد الأقصى ليحج الناس إليها ويطوفوا حولها بدلاً من الكعبة، ثم أراد أن يحمل الناس على الحج إليها بعقيدة دينية، فوجد الزهري وهو ذائع الصيت في الأمة الإسلامية مستعدًا لأن يضع له أحاديث في ذلك، فوضع أحاديث، منها حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى»، ومنها حديث: «الصلاة في المسجد الأقصى تعدل ألف صلاة فيما سواه» وأمثال هذين الحديثين، والدليل على أن الزهري هو واضع هذه الأحاديث، أنه كان صديقًا لعبدالملك وكان يتردد عليه، وأن الأحاديث التي وردت في فضائل بيت المقدس مروية من طرق الزهري فقط».

إن هذه الفرية رددها هذا المستشرق وتبعه تلامذته من بعده، واقتنع بها كثير من أبناء المسلمين، وهي فرية قديمة حديثة تبنتها الرافضة للطعن في كل رواية وردت في العهد الأموي أو ممن كانوا تحت الولاية الأموية، إلا أن التاريخ والشواهد الكثيرة والأدلة العلمية الواضحة التي لا شبهة فيها ولا غبار عليها، قادرة على نفي هذا التشكيك في أعظم شخصية إسلامية كالإمام الزهري الذي اتصف بالحزم والثبات في المواقف، وكان من أوائل الذين خدموا السنة بروايتها وتدوينها، إلا أن أقلام هؤلاء الأعداء لا يتركون أحدًا من المخلصين من رجالات هذه الأمة، حتى يتحول التاريخ الإسلامي في أذهان المسلمين إلى مجرد صراع ونفاق وكذب، وبالتالي يكون هذا الدين كله مبنيًّا على أوهام وخرافات، ولكن هيهات لهؤلاء أن يدركوا أهدافهم ومآربهم، لأن الله تعالى حفظ هذا الدين بحفظ كتابه، على أيد أمينة وصادقة، وهذه الحقيقة تناقلتها الأجيال بعد الأجيال.

وجعل الله تعالى جيل الصحابة من خير الأجيال، ثم الذين يلونهم، لأنهم جيل القدوة وجيل الرفقة بالنبي صلى الله عليه وسلم والرفقة بأصحابه، فمهما يكيد هؤلاء وأذنابهم فلن يصلوا إلى الغبار الذي كان تطؤه أقدامهم الطاهرة، ومن أجل أن تدحض فرية هؤلاء القوم على عالم جليل مثل الإمام الزهري، الذي عاش مع الصحابة وسلك نهجهم، لا بد من توضيح بعض الأمور، منها:

1 – الإمام الزهري هو الإمام محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب بن عبدالله بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، اتصف هذا العالم في عصره بالحرص الشديد على تلقي العلم والسعي الدؤوب من أجل الحصول عليه، كما اتصف بقوة الحفظ والذاكرة، واتصف بصفات أخرى كالكرم والسخاء والشجاعة وحسن الخلق، ومعروف عنه المواقف الثابتة لمن خالف شيئًا من الدين، وشهد له بذلك شيوخه وعلماء الأمة.

2 – الأمانة التي اتصف بها الإمام الزهري، تجعل من هذه الافتراءات ترتد على أصحابها وتقذف في عيونهم القذى وفي بصائرهم ضلالهم وحقدهم، إذ يتبين من خلال دراسة سيرة حياة هذا العالم أنه كان لا يقبل أدنى تنازل في أية جزئية من جزئيات الدين، فكيف لمن هذا شأنه أن يفتري على النبي صلى الله عليه وسلم ويضع الأحاديث حسب أهواء الأمراء والخلفاء، ويكفي هنا أن نذكر أحد مواقفه العظيمة أمام أحد خلفاء بني أمية عندما أراد أن يؤول حديثًا في غير موضعه، حيث « دخل الزهري على الوليد بن عبدالملك فقال له: ما حديث يحدثنا به أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يحدثوننا أن الله إذا استرعى عبدًا رعيته كتب له الحسنات ولم يكتب له السيئات. قال الزهري: باطل يا أمير المؤمنين، أنبيٌّ خليفة أكرم على الله؟ أم خليفة غير نبي؟ قال: بل نبي خليفة، قال: فإن الله تعالى يقول لنبيه داود عليه السلام: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26]، فهذا وعيد يا أمير المؤمنين لنبي خليفة فما ظنك بخليفة غير نبي؟ قال الوليد: إن الناس ليغووننا عن ديننا».

3 – إن كبار العلماء في الدولة العباسية أخذوا عن الزهري جميع الأحاديث والروايات، ولم يذكر أن أحدهم قدح فيه، من أمثال الإمام أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وغيرهم، رغم أنه كان من رجال بني أمية، الذين لم يسلموا من مهاجمة العباسيين لهم في معظم أمورهم، وهذا دليل كاف للردّ على المفترين الذين افتروا على هذا العالم الجليل.

4 – أما بالنسبة لكلام تسيهر على منع عبدالملك بن مروان الناس الحج، وبناء قبة الصخرة ليحج الناس إليها وأمره الإمام الزهري بوضع حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فإن هذا الكلام لا يستند على دليل علمي أو تاريخي وإنما هو سرد مغلوط ومشبوه يراد منه كعادته إثارة التشكيك في التاريخ الإسلامي ورجالاته، وتنجلي الغمة، ويتضح الأمر من خلال الأمور التالية:

أ – أجمع المؤرخون قاطبة أمثال الطبري وابن خلدون وابن الأثير على أن الذي بنى قبة الصخرة هو الوليد بن عبدالملك وليس عبدالملك بن مروان، وكان الناس يقفون عندها في يوم عرفة، حيث كانت عادة عند المسلمين في كثير من البلاد حيث كانوا يخرجون إلى أطراف المدينة في هذا اليوم ويشاركون إخوانهم الحجاج في هذا اليوم، بالرغم من أن كثيرًا من العلماء كرهوا هذا الفعل، فالأمر لم يكن مقتصرًا على قبة الصخرة وإنما كان في كل مكان.

ب – لو كان كلام جولد تسيهر صحيحًا على فعل عبدالملك بن مروان، لما سكت علماء الأمة من ذلك الوقت وإلى يومنا على ذلك، لأن هذا منع الناس من الحج لبيت الله وإنشاء مكان آخر للحج فيه يعد كفرًا، لا يقبل التهاون معه والمجاملة فيه.

ج – يذكر المؤرخون أن الزهري لم يلتق بعبدالملك بن مروان في عهد ابن الزبير، وإنما كان أول لقاء بينهما بعد مقتل ابن الزبير حينما كان شابًا، وإن السنة التي ولد فيها الزهري كانت إحدى وخمسين أو ثمانية وخمسين، وكان مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين، فيكون عمر الزهري عشرين عامًا أو خمسة عشر عامًا، وغير معقول أن يشتهر الزهري في هذه السن المبكرة ثم يفتي بالحج إلى القبة الصخرة بدلاً من الكعبة؟.

د  - أما كلام تسيهر أن حديث «لا تشدّ الرحال» لم يروه غير الزهري فهذا باطل لا أصل له، فقد روي من طرق كثيرة غير طريق الزهري كما أخرجه البخاري ومسلم.

ج – زعمهم التعارض في الأحاديث:

يقول جولد تسيهر: «إنه لا توجد مسألة خلافية سياسية أو اعتقادية إلا ولها اعتماد على جملة من الأحاديث ذات الإسناد القوي».

إن تعارض الأحاديث وقوة صحتها لا تعني بأي حال أنها موضوعة أو غير صحيحة، فمن المعلوم أن التعارض الظاهري الموجود بين بعض الأحاديث إنما نتيجة بعض الأسباب:

1 – أن الفعل الذي يروى مرتين بشكل مختلف ربما يكون لكل واحد منهما حالة خاصة أو ظروف خاصة بالوضع الذي كان فيه الصحابي، أو بحسب حال الصحابي الذي كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يعني أبدًا أن هناك تناقضًا في الأحاديث، مثل الحديثين: «الوضوء من مس الذكر» و«هل هو إلا بضعة منك».

2 – ومنها: أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم الفعل على وجهين إشارة إلى الجواز، فيروي صحابي ما شاهده في المرة الأولى ويرويه آخر ما شاهده في المرة الثانية، مثل أحاديث الوتر أنها سبع أو تسع أو إحدى عشرة.

3 – منها: اختلاف الصحابة في فهم مراد النبي صلى الله عليه وسلم من الحديث، فبعضهم يفهمه بالوجوب والآخرون يفهمونه بالاستحباب.

4 – منها: اختلاف الصحابة في حكاية حال شاهدوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل اختلافهم في حجة الرسول صلى الله عليه وسلم هل كان فيها قارنًا أو مفردًا أو متمتعًا، وكل ذلك حالات يجوز أن يفهمها الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم، فكل يحكم بما يرى.

5 – ومنها: نسخ الحكم السابق بحكم لاحق وهذا كثير كما في بعض أحكام حد الزاني.

وقد بيّن علماء الأمة أسباب اختلاف الحديث؛ فما كان سببه الوضع بينوه وما كان سببه شيئًا آخر بينوه أيضًا، وقد صنفوا في ذلك كتبًا ومراجع.

وهذا بيان واضح لمعرفة أسباب الاختلاف والتعارض بين بعض الأحاديث ليعلمها الناس ذلك، ويكون حجة في وجوه المغرضين الذين يثيرون مسألة التعارض بوصفها مسألة أحاديث صحيحة وغير صحيحة.

وإذا وجد تعارض، بيّن أهل العلم حلّ هذا التعارض وفق قواعد معلومة لدى أئمة الحديث، عرفت بـ «مختلف الحديث». وخلاصتها أن ينظر في الأحاديث المتعارضة هل يمكن الجمع بينهما؟ فإن كان كذلك فيحمل كل واحد منهما على محمل خاص؟ فإن لم يمكن الجمع بينهما نظر في التاريخ، هل أحدهما متأخر والآخر متقدم، فيكون المتأخر ناسخًا، والمتقدم منسوخًا، وإن لم يعلم المتأخر من المتقدم عمل بترجيح أحدهما على الآخر وفق المرجحات المعروفة عند المحدثين، وإن لم يمكن الترجيح بحيث تساوت طرق الحديثين فيتوقف فيه – إن وجد – وهو الذي يسمى بالحديث المضطرب إلى حين يتبين الترجيح.

د – زعمهم أن الأحاديث النبوية هي نتيجة التطور الديني:

يقول جولد تسيهر: «إن القسم الأكبر من الحديث ليس صحيحًا ما يقال من أنه وثيقة للإسلام في عهده الأول عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جهود الإسلام في عهد النضوج».

ويقول بروكلمان: «كان محمد [صلى الله عليه وسلم] وأصحابه يصلون مرتين في اليوم في مكة، أو ثلاث مرات في المدينة كاليهود، ثم جعلت الطقوس المتأخرة المتأثرة بالفرس عدد الصلوات في اليوم خمسًا».

ويقول أيضًا: «القسم الأعظم من الحديث المتصل بسنة الرسول لم ينشأ إلا بعد قرنين من ظهور الإسلام، ومن هنا تعين اصطناعه مصدرًا لعقيدة النبي نفسه».

ويقول برنارد لويس: «لقد استحدثت طرق جديدة في الحياة مع مرور الزمن وتوسع البلاد الإسلامية، وظهرت حاجات أدت إلى أوضاع غريبة تمامًا على الحياة البسيطة والفكر الذي كان سائدًا في عصر الصحابة – وبالإضافة إلى ذلك فإن الأحداث الغريبة والتأثيرات الأجنبية التي كان لا بد من استيعابها وهضمها كان لا بد أن تحدث خللاً في التمسك بالمفهوم الجامد للسنة على أنها المعيار الوحيد للصدق والعدل».

إن هذا الكلام فيه كثير من اللغط والافتراء، لأن وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن في منتصف طريق دعوته إلى الله، وإنما كان بعد أن أدى الرسالة وبلغ الأمانة، حتى نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3]. وقال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه». وهذا يدل على أن التحاق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كان بعد أدائه رسالة ربه للناس، وهذا يعني أن هذا الدين أُرسيت أصوله وأحكامه الثابتة في الحياة، وكان شريعة واضحة المعالم، لم تكن فيه مبهمات أو غموض أو أسرار، وإنما كان بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وإن التطور الذي حدث بعد عهد الرسالة كان في بعض الفروع والجزئيات التي ظهرت عندما توسعت رقعة الخلافة الإسلامية، وعندما فتح المسلمون البلاد الأخرى، فكان لا بد أن تعتريهم بعض الحوادث الجديدة التي لم يكن لها نص في القرآن أو السنة، فتعامل العلماء معها بطرق علمية متينة وقواعد معلومة تستند إلى كتاب الله وسنة رسوله، كالإجماع والقياس وغيرهما من مصادر التشريع الإسلامي.

ومن ناحية أخرى لو نظر الإنسان إلى هذا الدين منذ عهد النبوة إلى الآن سيجد فيه حجة قوية على بقاء الأصول على حالها منذ ذلك الوقت، ووحدة المسلمين في أداء عباداتهم وشعائرهم مع اختلاف يسير في بعض فروعها، في جميع أرجاء العالم رغم تباين أقطارهم واختلاف لغاتهم وتمايز أعراقهم وأجناسهم، ولو كانت الأحاديث النبوية نتيجة التطور الديني والاجتماعي كما يدعي هؤلاء القوم، لوجدنا المسلمين في كل بلد بل في كل منطقة يختلفون في كيفية أداء الصلوات وعدد ركعاتها وأوقاتها وكذلك الصيام والحج وغيرها من العبادات، ولكن الله تعالى أراد لهذا الدين أن يكون هكذا إلى يوم الدين؛ لأنه جل ثناؤه تكفل بحفظه وحمايته، من أيادي الانحراف والتزييف والتضليل.

 وهذا الإيجاز كافٍ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

هـ – الطعن في منهج المحدثين في النقد:

- في سند الحديث ومتنه:

يقول شاخت: «إن أكبر جزء من أسانيد الأحاديث اعتباطي، ومعلوم لدى الجميع أن الأسانيد بدأت بشكل بدائي ووصلت إلى كمالها في النصف الثاني من القرن الثالث، وكانت الأسانيد لا تجد أدنى اعتناء، وأي حزب يريد نسبة آرائه إلى المتقدمين كان يختار تلك الشخصيات ويضعها في الإسناد».

يقول جولد تسيهر: «نقد الأحاديث عند المسلمين قد غلب عليه الجانب الشكلي منذ البداية فالقوالب الجاهزة هي التي يحكم بواسطتها على الحديث بالصحة أو بغيرها، وهكذا لا يخضع للنقد إلا الشكل الخارجي للحديث، ذلك أن صحة المضمون مرتبطة أوثق الارتباط بنقد سلسلة الإسناد، فإذا استقام سند حديث لقوالب النقد الخارجي فإن المتن يصحح حتى ولو كان معناه غير واقعي أو احتوى على متناقضات داخلية أو خارجية، فيكفي لهذا الإسناد أن يكون متصل الحلقات وأن يكون رواته ثقاة اتصل الواحد منهم بشيخه حتى يقبل متن مرْويّه، فلا يمكن لأحد أن يقول بعد ذلك إني أجد في المتن غموضًا منطقيًا أو أخطاء تاريخية لذلك فإني أشك في قيمة سنده».

يقول المستشرق الإيطالي (كايتاني): كل قصد المحدثين ينحصر ويتركز في واد جدب ممحل من سرد الأشخاص الذين نقلوا المروي ولا يشغل أحد نفسه بنقد العبارة والمتن نفسه».

ويقول أيضًا: «إن المحدثين والنقاد المسلمين لا يجسرون على الاندفاع في التحليل النقدي للسنة إلى ما وراء الإسناد، بل يمتنعون عن كل نقد للنص، إذ يرونه احتقارًا لمشهوري الصحابة، وقحة ثقيلة الخطر على الكيان الإسلامي».

ويقول غوستاف ويت: «قد درس رجال الحديث السنة بإتقان، إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض...» ثم يقول: «لقد نقل لنا الرواة حديث الرسول [صلى الله عليه وسلم] مشافهة، ثم جمعه الحفاظ ودونوه، إلا أن هؤلاء لم ينقدوا المتن، ولذلك لسنا متأكدين من أن الحديث وصلنا كما هو عن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] من غير أن يضيف عليه الرواة شيئًا عن حسن النية في أثناء روايتهم، ومن الطبيعي أن يكونوا قد زادوا شيئًا عليه في أثناء روايتهم، لأنه كان بالمشافهة».

أما بالنسبة لشبهاتهم حول الأسانيد فنقول:

«ربما كانت شبهات المستشرقين حول أسانيد الأحاديث أقل حظاً إذا قورنت بمثيلتها بالنسبة للمتون، فالقلة من المستشرقين الذين نقدوا الأسانيد؛ لأنهم لم يجدوا فيها ثغوراً يستطيعون أن يثيروا من خلالها الشبهات والادعاءات حول الأحاديث، ليس هذا فحسب بل هناك الكثيرون منهم أشادوا بجهود علماء الحديث واعتنائهم الكبير في الأسانيد ورواة الأحاديث، كما قال غوستاف ويت: قد درس رجال الحديث السنة بإتقان، إلا أن تلك الدراسة كانت موجهة إلى السند ومعرفة الرجال والتقائهم وسماع بعضهم من بعض....».

ولكن رغم ذلك لم يسلم الإسناد من أباطيلهم وشبهاتهم، من أجل ذلك لا بد من إلقاء نظرة سريعة حول الإسناد المتَّهم من قبل هؤلاء، لمعرفة حقيقته والمنهج العلمي الذي اتبعه العلماء للوصول إلى الحديث النبوي، وذلك بما يلي:

كان اهتمام علماء الحديث بالأسانيد قبل كل شيء انطلاقا من قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}  [الحجرات:6] .

فقد روى مسلم عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه، ولا ينظر إليه.

فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع. فقال ابن عباس إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.

فكان لا يؤخذ الحديث من أحد إلا إذا كان ثقة، حتى اشتهر بين المحدثين أن السند للخبر كالنسب للمرء، والحديث الذي ليس له سند ليس بشيء.

ومعروف عن ابن سيرين قوله: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.

 وقول عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء..

وكان الإسناد علما بذاته من علوم الحديث اعتنى به علماء الأمة عناية مميزة؛ لأنه سند السنة التي هي المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، وقد تفردت الأمة الإسلامية بهذا العلم وهذه المنهجية في أخذ الأخبار والروايات بخلاف جميع أمم الأرض وأديانها الأخرى حيث اعتمدت على المشافهة والروايات التي اختلط فيها الحق بالباطل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم وجعلها سُلَّمًا إلى الدراية. فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات. وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات. وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم. وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل ولا الحالي من العاطل. وأما هذه الأمة المرحومة وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين هم من أمرهم على يقين، ظهر لهم الصدق من المَين كما يظهر الصبح لذي عينين.

وقد فاقت جهود الصحابة وعلماء الأمة من بعدهم التصور البشري لشدة اهتمامهم وعنايتهم بالحديث النبوي، فهذا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه يسافر من المدينة إلى مصر من أجل أن يتأكد من صحة حديث يحفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك من عقبة بن عامر رضي الله عنه، وهذا الحديث في الستر على المؤمن، فعن عطاء ابن أبي رباح قال: خرجأبو أيوب إلى عقبة بن عامر، - وهو بمصر - يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة، فلما قدم إلى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري (وهو أمير مصر) فأخبره فعجل عليه،فخرج إليه فعانقه ثم قال له: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغير عقبة، فابعث من يدلني على منزله، قال:فبعث معه من يدله على منزل عقبة، فأخبر عقبة، فعجل فخرج إليه فعانقه، فقال: ما جاءبك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم  لم يبق أحدسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغيرك في ستر المؤمن، قال: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ستر مؤمنًا في الدنيا على خزية ستره الله يوم القيامة»، فقال له أبو أيوبصدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة فما أدركته جائزةمسلمة بن مخلّد إلا بعريش مصر..

ويقول سعيد بن المسيب أحد كبار التابعين: إني كنت لأسافر مسيرة الأيام والليالي في الحديث الواحد.

إن علماء الحديث قد وضعوا للإسناد قواعد وأصولاً علمية دقيقة للوصول إلى الأحاديث الصحيحة وترك غيرها من الضعيفة والموضوعة، وقسم هذا الإسناد إلى أقسام من حيث القبول أو الرد. فمن الأشياء التي وضعوها على سبيل المثال لا الحصر للراوي، ما يلي:

1- صفة من تقبل روايته ومن ترد: وقد اشترطوا للراوي العدالة والضبط، يقول ابن الصلاح: «أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلاً ضابطًا لما يروي، وتفصيله: أن يكون مسلمًا بالغًا عاقلاً سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفل، حافظًا إن حدّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدّث من كتابه. وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالمًا بما يحيل المعاني».

فقد اشترطوا في العدالة: الإسلام؛ لقوله تعالى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]  والمسلم من أهل الرضا، وغيره ليس من أهل الرضا، وبذلك لا يقبل حديث من راوٍ كافر. وكذلك: البلوغ والعقل؛ لأنهما شرطان لتحمل التكاليف الشرعية وليتم ضبط الكلام وصدقه، فلا تقبل رواية الصبي والمجنون. والتقوى: وفيها اجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر. والدليل على اشتراط التقوى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6] ، فلا يقبل خبر الفاسق الذي يرتكب المعاصي ولاسيما الكبيرة منها، ويدخل في ذلك المبتدع فلا تقبل روايته.

فقد روي عن أبي بن كعب حديث مرفوع في فضل القرآن سورة سورة، من أوله إلى آخره. فقد روى السيوطي عن المؤمَّل بنِ إسماعيلَ، قال: حدّثني شيخٌ به. فقلتُ للشيخِ: مَنْ حدّثكَ به؟ فقالَ: حدّثني رجلٌ بالمدائنِ - وهو حيٌّ - فصرتُ إليهِ، فقلتُ: مَنْ حدّثَكَ؟ فقال: حدّثني شيخٌ بواسطَ - وهو حيٌّ - فصرتُ إليه، فقلتُ: مَنْ حدّثَكَ؟ فقال: حدثني شيخٌ بالبصرةِ، فصرتُ إليه، فقلتُ: مَنْ حدّثَكَ؟ فقال: حدثني شيخٌ بعبادانَ، فصرتُ إليه، فأخَذَ بيدي، فأدخلني بيتاً، فإذا فيه قومٌ من المتصوّفِةِ، ومعهم شيخٌ، فقالَ: هذا الشيخُ حدّثني، فقلتُ: يا شيخُ مَنْ حدّثكَ؟ فقال: لم يحدّثني أحدٌ. ولكنَّا رأينا الناسَ قد رغبُوا عن القرآنِ، فوضَعنا لهم هذا الحديثَ؛ ليصرفُوا قُلوبَهم إِلَى القرآنِ.

وأما شرط الضبط فيعرف بالمقاييس التي حددها العلماء كما يقول ابن الصلاح: «أن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطًا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه».

فإذا تحقق شرط العدالة والضبط في الراوي فيجب أخذ روايته والعمل بحديثه ويطلق عليه عندئذ (ثقة).

1- الجرح والتعديل: والجرح: هو الطعن في راوي الحديث بما يسلب أو يخل بعدالته أو ضبطه.

والتعديل: عكسه، وهو تزكية الراوي والحكم عليه بأنه عدل أو ضابط.

وهناك شروط وآداب للجارح والمعدّل، وشروط لقبول الجرح والتعديل أو رده، ومراتب الجرح والتعديل، وألفاظ الجرح والتعديل التي يعتمد عليها العلماء، وغيرها من الشروط التي يطول بنا المقام لسردها. لا نريد التوسع فيها.

2- الثقات والضعفاء: وقد ألفت مؤلفات في الثقات والضعفاء، لمعرفة أشخاص الإسناد وبالتالي معرفة درجة الحديث صحة وضعفًا، فمما أُلّف في الثقات: كتاب «الثقات» للإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي (المتوفى سنة 354هـ)، وكتاب «الثقات» للإمام أحمد بن عبد الله العجلي (المتوفى سنة 261 هـ)، وكتاب «تذكرة الحفاظ» للإمام الحافظ شمس الدين محمد الذهبي (المتوفى سنة 748هـ)، وما أُلّف في الضعفاء: «الكامل في الضعفاء» للحافظ الإمام أبي أحمد عبد الله بن عَدي (المتوفى سنة 365هـ)، وكتاب «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» للإمام الذهبي، و«لسان الميزان» للحافظ ابن حجر العسقلاني. وغيرها كثير من الكتب التي تحدثت عن الثقات والضعفاء.

في نهاية المطاف نقول لهؤلاء المستشرقين إن المقياس الذي يقاس به رواة الحديث مقياس علمي ودقيق، حيث تطرق إلى حال الرواة من جميع النواحي الدينية والعقلية والذهنية والصحية والاجتماعية والأخلاقية، ووضع لهم عبر هذا المقياس مراتب ودرجات عن طريق الجرح والتعديل، وألفت عنهم الكتب والمصنفات لبيان حالهم، عبر هذه المسيرة العلمية الدقيقة والشاقة لحال الإسناد، وصلت إلينا الأحاديث صافية وخالية من الكذب والتحريف أو الزيادة والإضافات من قبل الرواة أو غيرهم. فهل بعد هذا يمكن أن يقال: إن جزءًا من أسانيد الأحاديث اعتباطي أو أنها لم تجد عناية أو قوالب جاهزة أو نحو ذلك؟!!

وأما فيما يتعلق بشبهاتهم حول متون الأحاديث، فنقول:

إذا قرأنا ما ذكره علماء الحديث من قواعد لنقد الحديث وقبوله، لعلمنا أن ما يردده المستشرقون إنما هو محض افتراء وتكذيب، فقد ملئت كتب بهذه القواعد التي تدل على الاعتناء الكبير، والحرص الشديد لعلماء الأمة بالحديث سندًا ومتنًا، ولكن هيهات للعدو الحاقد أن يقر بالحق الذي هو كالشمس في رابعة النهار، ومنها ما ذكره الدكتور مصطفى السباعي : مثل:

1 – ألا يكون ركيك اللفظ، بحيث لا يقوله بليغ أو فصيح.

2 – ألا يكون مخالفًا لبدهيات العقول، بحيث لا يمكن تأويله.

3 – ألا يخالف القواعد العامة في الحِكَم والأخلاق.

4 – ألا يكون مخالفًا للحس والمشاهدة.

5 – ألا يخالف البدهي في الطب والحكمة.

6 – ألا يكون داعية إلى رذيلة تتبرأ منها الشرائع.

7 – ألا يخالف المعقول في أصول العقيدة من صفات الله ورسله.

8 – ألا يكون مخالفًا لسنة الله في الكون والإنسان.

9 – ألا يشتمل على سخافات يصان عنها العقلاء.

10– ألا يخالف القرآن أو محكم السنة أو المجمع عليه أو المعلوم من الدين بالضرورة، بحيث لا يحتمل التأويل.

11 – ألا يكون مخالفًا للحقائق التاريخية المعروفة عن عصر النبي صلى الله عليه وسلم.

12 – ألا يوافق مذهب الراوي الداعية إلى مذهبه.

13 – ألا يخبر عن أمر وقع بمشهد عظيم ثم ينفرد راو واحد بروايته.

14 – ألا يكون ناشئًا عن باعث نفسيّ، حمل الراوي على روايته.

15 – ألا يشتمل على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير.

كانت تلك أهم القواعد التي اتبعها علماء الحديث في قبول متن الحديث أو رده، وهي كافية لدحض دعاوى المستشرقين الذي اتهموا منهج المحدثين في اهتمامهم بالسند دون المتن.

و – تأخر التدوين :

يقول برنالد لويس: «أن جمع الحديث وتدوينه لم يحدثا إلا بعد عدة أجيال من وفاة الرسول [صلى الله عليه وسلم]، وخلال هذه المدة فإن الغرض والدوافع لتزوير الحديث كانت غير محدودة، فأولًا لا يكفي مجرد مرور الزمن وعجز الذاكرة البشرية وحدهما لأن يلقيا ظلالاً من الشك على بيّنة تنقل مشافهة مدة تزيد على مائة عام».

ويقول أيضًا: «ثمة دوافع للتحريف المتعمد؛ لأن الفترة التي تلت وفاة الرسول [صلى الله عليه وسلم] شهدت تطورًا شاملاً في حياة المجتمع الإسلامي، فكان تأثر المسلمين بالشعوب المغلوبة بالإضافة إلى الصراعات بين الأسر والأفراد كل ذلك أدى إلى وضع الحديث».

يقول الدكتور نورالدين عتر: «برز قرن الفتنة التي أدت إلى مقتل الإمام الشهيد عثمان بن عفان ثم مقتل الإمام الحسين  م، وظهرت الفرق المنحرفة، وراح المبتدعة يبحثون عن مستندات من النصوص يعتمدون عليها في كسب أعوان لهم، فعمدوا إلى الوضع في الحديث، فاختلقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، فكان مبدأ ظهور الوضع في الحديث منذ ذلك الوقت».

فقبل كل شيء يجب معرفة ما كان عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مع رسولهم صلى الله عليه وسلم، وكيف كانوا يأخذون منه الحديث ويتناقلونه فيما بينهم، وكيف كان حرصهم الشديد وعلى صحة هذا الحديث أو ذاك، فقد صارت لديهم ما يشبه القوانين أو الضوابط التي يعتمدون عليها في أخذ الأحاديث أو ردها، وما كان هذا الحرص وهذا الجهد إلا لسببين اثنين:

1 – حرصهم في الحفاظ على هذا الكنز النبوي وخوفهم من ضياعه، والذي يعد من أهم صروح هذا الدين، فإن هوى هذا الصرح أو أصابه الضياع والنسيان فإن جزءًا كبيرًا من هذا الدين سيندثر معه، من أجل ذلك كانوا رضوان الله عليهم حريصين على نقل أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بالدقة والتحري.

2 – خيرية الصحابة وخوفهم الشديد من الكذب عامة، وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم خاصة، يقول الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}[الإسراء : 36]، وقوله جل وعلا: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل : 105] وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». وقوله عليه الصلاة والسلام: «من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار».

ومن أهم ما تميز به الصحابة في نقل حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام أنهم لم يكثروا من كتابة الحديث ونقله خشية أن يعتريه الخطأ والزيادات، أو يختلط بالقرآن، وتلتبس الأمور بعد ذلك عليهم وعلى الأمة من بعدهم.

وكذلك حرص الصحابة على الدقة والتثبت من الأحاديث التي يرويها بعضهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والشاهد على هذا التدقيق والتشديد في ذلك حادثة الجدة حيث: «جاءت الجدة أم الأم وأم الأب إلى أبي بكر فقالت: إن ابن ابني أو ابن بنتي مات وقد أُخبِرتُ أن لي في كتاب الله حقا. فقال أبو بكر: ما أجد لك في الكتاب من حق، وما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لك بشيء، وسأسأل الناس، قال: فسأل الناس فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس. قال: ومن سمع ذلك معك؟ قال: محمد بن مسلمة، قال: فأعطاها السدس، ثم جاءت الجدة الأخرى التي تخالفها إلى عمر، قال سفيان: وزادني فيه معمر عن الزهري ولم أحفظه عن الزهري، ولكن حفظته من معمر أن عمر قال: إن اجتمعتما فهو لكما، وأيتكما انفردت به فهو لها».

ويجدر بنا إلى بيان المنهج الذي اتبعه بعض الصحابة في أخذ الأحاديث وهو عرضها على النصوص القطعية والأصول الثابتة من الدين، فهذه عائشة ك سمعت

حديث عمر وابنه عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» فقالت: رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى

الله عليه وسلم أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه»، وقالت: حسبكم القرآن:

{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[الأنعام : 164]».