بحث عن بحث

مفهوم الاستشراق

اختلف الباحثون في إيجاد تعريف موحد للاستشراق، رغم أن هذا الاختلاف شكلي وجزئي، إلا أنهم يتفقون فيما بينهم على عناصر مشتركة للاستشراق والمستشرقين، ويعود ذلك إلى تصور كل واحد منهم إلى حقيقة الاستشراق وأهدافه، وعلى كل حال فهو  في صورته العامة عبارة عن اتجاه فكري غربي يقوم بدراسة حضارة الأمم من جوانبها الثقافية والفكرية والدينية والاقتصادية والسياسية كافة؛ لغرض التأثير فيها.

وقد عرّفه إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق»: «بأنه أسلوب غربي للهيمنة على الشرق، وإعادة صياغته وتشكيله وممارسة السلطة عليه».

وقدّم أحمد عبد الحميد غراب تعريفات كثيرة للاستشراق من الغربيين وغيرهم، وقسّمها إلى قسمين، عام وخاص:

فأما التعريف العام: فهو أن الاستشراق أسلوب فكري غربي (أي منهج غربي في رؤية الأشياء والتعامل معها) يقوم على أن هناك اختلافًا جذريًا في الوجود والمعرفة بين الغرب والشرق، وأن الأول يتميز بالتفوق العنصري والثقافي على الثاني.

وأما التعريف الخاص: فهو عبارة عن دراسات «أكاديمية»، يقوم بها غربيون من الدول الاستعمارية، للشرق بشتى جوانبه: تاريخه وثقافاته، وأديانه، ولغاته، ونظمه الاجتماعية والسياسية، وثرواته، وإمكانياته.. من منطلق التفوق العنصري والثقافي على الشرق، وبهدف السيطرة عليه لمصلحة الغرب، وتسويغ هذه السيطرة بدراسات وبحوث ونظريات تتظاهر بالعلمية والموضوعية.

وخلص إلى إيجاد تعريف أكثر شمولية من التعريفات السابقة آخذًا في الحسبان النقص والتزوير الذي اعترى تلك التعريفات، فيقول في تعريف الاستشراق بمفهومه الاصطلاحي:

«إن الاستشراق دراسات «أكاديمية» يقوم بها غربيون من أهل الكتاب للإسلام والمسلمين من شتى الجوانب: عقيدة، وثقافة، وشريعة، وتاريخًا، ونظمًا، وثروات، وإمكانيات.. بهدف تشويه الإسلام، ومحاولة تشكيك المسلمين فيه، وتضليلهم عنه، وفرض التبعية للغرب عليهم، ومحاولة تبرير هذه التبعية بدراسات ونظريات تدعي العلمية والموضوعية، وتزعم التفوق العنصري والثقافي للغرب المسيحي على الشرق الإسلامي».

ولعلنا نأخذ بالتعريف الذي اقترحه الدكتور مازن مطبقاني، والذي أضاف إلى تعريف غراب بعض الزيادات، وتفرع ليشمل نطاقًا أوسع مما يتصوره الباحث، فقال عن الاستشراق:

«بأنه كل ما يصدر عن الغربيين من أوروبيين (شرقيين وغربيين بما في ذلك السوفيت) وأمريكيين من دراسات أكاديمية (جامعية) تتناول قضايا الإسلام والمسلمين في العقيدة، وفي الشريعة، وفي الاجتماع، وفي السياسة أو الفكر أو الفن، كما يلحق بالاستشراق كل ما تبثه وسائل الإعلام الغربية سواء بلغاتهم أو باللغة العربية من إذاعات أو تلفاز أو أفلام سينمائية أو رسوم متحركة أو قنوات فضائية، أو ما تنشره صحفهم من كتابات تتناول المسلمين وقضاياهم. كما أن من الاستشراق ما يخفى علينا مما يقرره الباحثون والسياسيون الغربيون في ندواتهم ومؤتمراتهم العلنية أو السرية، ويمكننا أن نلحق بالاستشراق ما يكتبه النصارى العرب من أقباط ومارونيين وغيرهم، ممن ينظر إلى الإسلام من خلال المنظار الغربي، ولا بد أن نلحق بالاستشراق ما ينشره الباحثون المسلمون الذين تتلمذوا على أيدي المستشرقين، وتبنوا كثيرًا من أفكار المستشرقين حتى إن بعض هؤلاء التلاميذ تفوق على أساتذته في الأساليب والمناهج الاستشراقية، ويدل على ذلك احتفال دور النشر النشر الاستشراقية بإنتاج هؤلاء ونشره باللغات الأوروبية على أنها بحوث علمية رصينة أو ما يترجمونه من كتابات بعض العرب والمسلمين إلى اللغات الأوروبية».

ويمكن من خلال هذه التعريفات استخلاص عدة أمور تعد أركانًا متينة للاستشراق:

1 – أن الاستشراق هو حركة علمية (أكاديمية) من أهل الكتاب من شرقيين وغربيين وأمريكيين وغيرهم ممن ينظر إلى الإسلام بالمنظار الغربي.

2 – الهدف منه تشويه الإسلام وتشكيك المسلمين في دينهم، وذلك بالطعن في أهم مصادر التشريع، القرآن والسنة وتاريخ المسلمين.

3 – إنشاء مجتمعات تابعة للغرب في الفكر والاقتصاد والسياسة والاجتماع، ليسهل استغلالهم اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريا.

4 – أن الاستشراق ذو علاقة وطيدة مع الاستعمار، فلا استعمار بدون استشراق، ولا استشراق من غير دول استعمارية.

5 – أن الاستشراق له علاقة بالتنصير؛ لأن معظم المستشرقين من أهل الكتاب، يبذلون قصارى جهدهم في سبيل أن يحوّل المسلمون دينهم إلى النصرانية، وهذه ما أكدته البعثات التنصيرية التي كانت ترافق الاستعمار في المنطقة الإسلامية.

6 – أن المستشرقين يفتقدون المنهجية العلمية في طرح شبهاتهم وأباطيلهم، فهم يحتجون ببعض الموضوعات من الآثار والروايات الموضوعة التي لا أصل لها في الواقع، وأحيانًا كثيرة لا يعتمدون على شيء وإنما يعتمدون على وساوس شياطينهم لتشكيك الأمة في دينها.