بحث عن بحث

 

من وسائل الصحابة في خدمة السنة

 

رابعاً/ وضع قواعد الرواية:

لم تقتصر وسائل الصحابة في خدمة السنة على التلقي والأداء وكتابة الحديث، وإنما تجاوزت ذلك إلى وضع الضوابط وإنشاء القواعد التي تضمن سلامة الرواية وضبط السنة، وكان من هذه القواعد:

 

1- التقلل من الرواية:

كان منهج الصحابة هو التقلل من الرواية بغرض إيجاد حصانة في النفس لكي لا تتجرأ على رواية الحديث حتى تتأكد من صحته.

روى البخاري بسنده عن عامر بن عبدالله بن الزبير عن أبيه قال: قلت للزبير: إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحدث فلان فلان، قال:أما إني لم أفارقه، ولكن سمعته يقول:" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"(1).

وكذلك كان أنس رضي الله عنه(2)، وكان عمر وابن مسعود، رضي الله عنهما، يقولان:" بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع" (3).

وأخرج البخاري في صحيحه عن مجاهد قال:" صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثاً واحداً" (4).

وعن الشعبي قال:" قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفا فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا إلا هذا الحديث" (5).

وقال إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف:" بعث عمر بن الخطاب إلى عبدالله بن مسعود، وإلى أبي الدرداء، وإلى أبي مسعود الأنصاري، وإلى أبي ذر، قال: ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فحبسهم بالمدينة حتى استشهد" (6).

قال ابن حبان:" لم يكن عمر بن الخطاب فيما قد فعل – يتهم الصحابة بالتقول على النبي صلى الله عليه وسلم ولا ردهم عن تبليغ ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ليبلغ الشاهد منكم الغائب" وأنه لا يحل لهم كتمان ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه علم ما يكون بعده من التقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه عليه السلام قال:" إن الله –تبارك وتعالى – نزل الحق على لسان عمر وقلبه " (7)، وقال:" إن يكن في هذه الأمة محدثون فعمر منهم(8)"، فعمد عمر إلى الثقات المتقنين، الذين شهدوا الوحي والتنزيل، فأنكر عليهم كثرة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، لئلا يجترئ من بعدهم ممن ليس في الإسلام محله كمحلهم، فيكثر الرواية، فيزل فيها، أو يقول متعمداً عليه صلى الله عليه وسلم لنوال الدنيا.... (9)". ولم يؤدهم ذلك إلى كتما العلم، وإنما هو الحرص على السنة والدين.

روى الدارمي بسنده عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال:" لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار، وما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث"(10).

وأخرج عبد بن حميد بسنده عن أبي هريرة قال:" لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم وتلا:" وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه" (11).

 

2- التثبت في الرواية عند أدائها:

قال الإمام الذهبي في ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه:" وكان أول من احتاط في قبول الأخبار...(12)" وقال في ترجمة عمر بن الخطاب:" هو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل"(13) يعني: أنه حرص على إشاعة هذه السنة وتعليمها، وأخذ الرعية على التزامها والتشديد في ذلك، وهي سنة التوثق والتحري للسنة، ولذلك وجدنا عمر رضي الله عنه يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فعن أبي سعيد الخدري قال:" كنا في مجلس عند أبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضباً- وفي رواية: فزعا مذعورا- حتى وقف، فقال: أنشدكم الله ! هل سمع أحد منكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع"، قال أبي: وما ذاك ؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئته اليوم، فدخلت عليه، فأخبرته أني جئت أمس، فسلمت ثلاثا، ثم انصرفت، قال: قد سمعناك، ونحن حينئذ في شغل فلو استأذنت حتى يؤذن لك ؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوالله لأوجعن ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا، فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنا! قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر، فقلت: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا". (14)

وجدير بالتنبيه أن هذا لم يكن من عمر رضي الله عنه لأنه لم يكن يحتج بخير الآحاد كما زعموا!!  فإنه لما قبل حديث أبي سعيد، لم يزل الخبر بعدها آحاداً، ولم يكن هذا أيضا، لأنه لم يكن يثق بأبي موسى، حاشاه، وإنما فعل ذلك للاحتياط في ضبط الحديث، وزيادة في التثبت، ويؤكده ما جاء في بعض الروايات الأخرى عن عمر قال:" إني لم أتهمك ولكن أحببت أن أتثبت" (15).

 


 


(1) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، رقم( 107).

(2) - صحيح مسلم،المقدمة ص 6.

(3) - صحيح مسلم، المقدمة ص 6.

(4) - صحيح البخاري، كتاب العلم، باب الفهم في العلم 1/198فتح.

(5) - أخرجه الدارمي، المقدمة، باب من عاب الفتيا مخافة السقوط 2/336، والحديث رجاله ثقات ولعله يقصد بهذا الحديث، الحديث الصحيح:( إن من الشجرة شجرة لا تسقط ورقها)، انظر: الحديث وأهله لشيخنا الدكتور يحيى إسماعيل.

(6) - أخرجه ابن شيبة في المصنف 8/756، وابن سعد في الطبقات 2/336، والإمام أحمد في العلل رقم 372، وإسناده صحيح، فإبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف قد سمع من عمر رضي الله عنه على الصحيح.

(7) - أخرجه الإمام أحمد في سنده 2/401، وابن حبان في صحيحه رقم 6889.

(8) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر 7/52، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر 15/166.

(9) - المجروحين لابن حبان 1/36-37.

(10) - سنن الدارمي، المقدمة، باب من هاب الفتيا وكره التنطع، والحديث إسناده حسن لأن عطاء بن السائب الذي روى عن عبدالرحمن: صدوق اختلط، التقريب( 2/22)، وعبدالرحمن بن أبي ليلى تابعي أنصارى مدني ثقة، مات بوقعه الجماجم، وقد خرج له الجماعة، التقريب( 1/496).

(11) - الآية /187 من سورة آل عمران، والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور( 2/121) لعبد بن حميد.

(12) - تذكرة الحفاظ 1/2.

(13) - تذكرة الحفاظ 1/6.

(14) - الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب التسليم ثلاثا ( 11/28) ، ومسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب الاستئذان ( 14/130) .

(15) - الموطأ لمالك، كتاب الاستئذان ص 597.