بحث عن بحث

ويقصد بسائر أخباره

ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم في كل أحواله حركةً وسكونًا ويقظةً ومنامًا سواءً كان ذلك قبل البعثة أم بعدها.

أما حركاته: فهي وسائل تربوية: يقصد من ورائها شدّ انتباه المتلقي ولفت نظره إلى أهمية ما يلقى عليه، ومن الأمثلة على ذلك:

1.       قوله - صلى الله عليه وسلم - " التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره ثلاثًا"(1).

 فهذه الحركة المتمثلة في الإشارة أفادتنا أن محل التقوى هو القلب.

2.   قوله - صلى الله عليه وسلم-: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، قال الراوي: وكان متكئًا فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور ثلاثًا, حتى قلنا: ليته سكت"(2). فتغيير النبي صلى الله عليه وسلم من وضعه وحركته أفادت خطورة ما جاء بعدها حتى يحذره القوم ويقدرونه قدره.

3.   قول عبد الله بن مسعود: خطّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- خطًا مستقيمًا، ثم قال: " هذا سبيل الله مستقيمًا, وخطّ عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل ليس منها إلا عليه شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: ((وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله))(3)[الأنعام:153].

4.   وعن ابن مسعود أيضًا قال: "خطّ النبي - صلى الله عليه وسلم- خطاً مربعًا، وخطّ خطاً في الوسط خارجًا منه، وخطّ خطوطًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، وقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به - أو قد أحاط به -، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا"(4).

ففي هذين الحديثين استخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الرسم كوسيلة إيضاح لإيصال ما يريده إلى ذهن أصحابه، وهذا ما يأخذ به علماء التربية اليوم في التعليم والتلقي، وقد سبقهم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- منذ خمسةَ عشرَ قرنًا من الزمان.

وأما سكوته: فإننا نستفيد منه أحكامًا شرعيةً، ومثال ذلك:

ما رواه البراء بن عازب - رضي الله عنه- قال: " خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة فانتهينا إلى القبر، فجلس كأن على رءوسنا الطير"(5).

ففي هذا الحديث مشروعية السكون والسكوت عند دفن الموتى من أجل العظة والاعتبار.

وأما ما كان في يقظته فلا إشكال فيه - كما يقول أستاذنا الدكتور موسى شاهين - لأن أمر النبوة واضح أثناء اليقظة.

لكن الذي يستشكل على البعض فهو ما يراه - صلى الله عليه وسلم - في نومه، وكيف هو من الوحي؟ بل كيف هو من السنة الواجبة الاتباع؟ خصوصًا وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد علمنا أن النائم غير مكلف في ما ورد من قوله - صلى الله عليه وسلم-: " رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يصِح، وعن الصبي حتى يحتلم"(6).

 وإليك الجواب:

 قامت الأدلة من القرآن والسنة - على أن ما يراه الأنبياء في نومهم هو من وحي الله تعالى إليهم، ففي القرآن الكريم نجد غلامًا حليمًا في أوائل العقد الثاني من عمره، قد فقه بالبداهة والفطرة: أن الرسول رسول حتى في نومه، فالنوم لا يمكن أن يخرج الرسول عن رسالته ولو قال الرسول: إني أرى منامًا، فقل له: هذا أمر من الله واجب التنفيذ والطاعة والتسليم، كما قال الغلام الحليم إسماعيل لأبيه الخليل إبراهيم عليهما السلام وعلى جميع المرسلين الصلوات والتسليم حين قال له كما حكى القرآن: ((يا بنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين)) [الصافات:102].

ومما يختص برسولنا - صلى الله عليه وسلم- مما جاء في القرآن الكريم، قول الله تعالى في سورة الأنفال: (( إذ يريكهم الله في منامك قليلاً....)) الآية. [لأنفال:43].

فالآية واضحة الدلالة في أنّ ما يراه النبي - صلى الله عليه وسلم- في نومه من رؤيا إنما هو من عند الله تعالى وليس من أي جهة أخرى، (إذ يريكهم الله).

ومن الأدلة على ذلك أيضًا قول الله تعالى في سورة الفتح:

(( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً)) [الفتح:27].

فإذا انتقلنا إلى السنة المطهرة فسنجد أدلةً كثيرةً على ذلك.

من بينها ما جاء في صحيح البخاري رحمه الله تعالى بسنده إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: " أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"(7).

فالحديث ينص صراحةً على أن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي وأنه كان لا يرى شيئًا إلا جاء واضحًا جليًا مثل ضوء النهار.

ولقد لفت نظري وأنا أتتبع ما أراه الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - في نومه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبدأ حديثه غالبًا عن الرؤيا في نومه بقوله: " أُريت كذا" أو " أُريتكم..." فالفعل في أول الحديث يأتي بالبناء للمجهول ليدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى من قبل نفسه، وإنما هناك من يريه وهو الله تعالى.

فمن أمثلة ذلك ما روته السيدة عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا السيدة عائشة -: " أُريتك في المنام مرتين: إذ رجل يحملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشفها فإذا هي أنتِ، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه"(8).

ولقد كانت هذه الرؤيا- وغيرها - من عند الله تعالى فأمضاها سبحانه، وكانت السيدة عائشة من أزواجه أمهات المؤمنين.

ومن أمثلة ذلك أيضًا ما خاطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه قائلاً فيما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: " أُريتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد" وزاد مسلم من حديث جابر " أن ذلك كان قبل موته - صلى الله عليه وسلم - بشهر"(9).

فالحديث كما نلاحظ قد بدأ بقوله: " أُريتكم" بالبناء للمجهول، ولأن علماء الحديث - وكل علماء الإسلام - يعلمون أن ما يراه الرسول - صلى الله عليه وسلم-  في نومه هو من وحي الله تعالى، فقد أخذوا من الحديث المذكور درسًا عظيمًا، وهو أن من بين الأدلة على إثبات الصحبة أن يكون الصحابي قد عاش قبل عشرة ومائة للهجرة، فمن جاء بعدها وزعم أنه صحابي فإننا نردّ قوله أخذًا من هذا الحديث الشريف.

على أنه صلى الله عليه وسلم قد يبدأ حديثه مما يراه في نومه بقوله: " رأيت" وذلك في القليل النادر.

ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم- في رؤيته عن هجرته إلى المدينة "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر؛ فإذا هي المدينة يثرب"(10). ووهلي أي: ظني.

ورغم التعبير بقوله: "رأيت" إلا أن ذلك أيضًا من الله تعالى؛ بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم- ما كان له أن يحيد عن المدينة (كدار) للهجرة ويهاجر إلى غيرها؛ لأن المدينة هي المكان الذي اختاره الله تعالى له، فلا يتركه أبدًا إلى غيره.

وقد وردت هذه الرواية عند البيهقي مبتدئة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أُريت دار هجرتكم" وهي بذلك تتلقى مع الأمثلة التي ذكرناها سابقًا.

 إن كل ما سبق يعطينا الدليل الأكيد على أن ما يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء جميعًا أثناء النوم هو من الوحي الذي نلتزم به.

ومن الأدلة العقلية على ذلك: أن ما يراه الناس في نومهم إما أن يكون من الله تعالى أو من الشيطان؛ كما ورد بذلك الحديث الصحيح الذي رواه أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه:   " الرؤيا الحسنة من الله والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئًا يكرهه، فلينفث عن شماله ثلاثًا وليتعوذ من الشيطان، فإنها لا تضره"(11).

والشيطان - كما نعلم- ليس له سلطان على الأنبياء؛ لأن الله تعالى قد عصمهم من كيده فلن يأتيهم في نومهم، ولقد نزع الله تعالى حظ الشيطان من نبينا - صلى الله عليه وسلم - في مرحلة مبكرة من عمره- وهو طفل رضيع في بادية بني سعد، فحفظه بذلك من وسوسة الشيطان.

فقد روى مسلم بسنده إلى أنس بن مالك: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان, فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره(12).

 فنحن نرى أن الله تعالى قد طهر قلب نبيه - صلى الله عليه وسلم - منذ صغره, فلم يكن للشيطان عليه سبيل، وما دام الأمر كذلك فإن ما يراه في نومه ليس من قبيل الشيطان أبدًا، وإنما هو وحي من الله تعالى(13).

 

 

الهوامش:

(1) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب والصلة، باب تحريم ظلم المسلم من حديث طويل 2/ 424.

(2) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها 1/ 50.

(3) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/ 465، والحاكم في مستدركه، كتاب التفسير ( 2/ 318 )، وقال: صحيح ولم يخرجاه .

(4) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب في الأمل وطوله 11/ 239.

(5) الحديث أخرجه النسائي في سننه، كتاب الجنائز، باب الوقوف للجنائز 4/78، وابن ماجه في سننه، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجلوس في المقابر 1/ 494.

(6) الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الحدود 4/ 389، وقال: صحيح الإسناد .

(7) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي 1/ 6، ومسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/ 79.

(8) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب فضائل النبي صلى الله عليه وسلم، باب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة 2/ 329.

(9) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم في الصحيح، كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم 2/ 309.

(10) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم 2/ 331، ومسلم، في الصحيح، كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم 2/ 309.

(11) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم في الصحيح،كتاب الرؤيا، أول الكتاب دون ترجمة 2/ 304.

(12) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم وفرض الصلوات1/82.

(13) تيسير اللطيف الخبير، ص:25-27.