بحث عن بحث

ويقصد بتقريراته صلى الله عليه وسلم

كل ما صدر عن بعض أصحابه من قول أو فعل, وأقره صلى الله عليه وسلم إما بسكوت منه وعدم إنكار، وإما بموافقة وإظهار استحسان.

 وقد يسأل سائل: كيف يكون الإقرار من السنة وهي واجبة الاتباع مع أنه ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعله؟

والجواب: أن الإقرار صار من السنة الشريفة بموافقة النبي صلى الله عليه وسلم, فهو عليه السلام لا يقر باطلاً ولا يسكت على منكر, فما أقره دلّ على أنه لا حرج فيه, - وذلك كما قال ابن حزم -: لأن الله – عز وجل – افترض عليه التبليغ وأخبره أنه يعصمه من الناس، وأوجب عليه أن يبين للناس ما نزّل إليهم؛ فمن ادعى أنه عليه السلام علم منكرًا فلم ينكره فقد كفر؛ لأنه جحد أن يكون عليه السلام بلّغ كما أمر، ووصفه بغير ما وصفه ربه تعالى، وكذّبه في قوله عليه السلام: " اللهم هل بلغت"؟ فقال الناس: نعم. فقال: " اللهم اشهد". قال ذلك في حجة الوداع(1)

ومن أمثلة الإقرار:

1. إقراره صلى الله عليه وسلم لأصحابه على اجتهادهم في شأن صلاة العصر في غزوة بني قريظة:

 حين قال لهم: " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"(2)

فقد فهم بعضهم من هذا النهي أنه على حقيقته وأنه تحرم صلاة العصر إلا في بني قريظة، فأخرها إلى هناك حتى خرج وقتها، وفهم البعض الآخر من هذا النهي: أنه ليس على حقيقته وأن المقصود منه الحث على الإسراع، فصلاها في وقتها، ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم بما صنع الفريقان لم يعنف واحدًا منهما ولم ينكره عليه، فكان ذلك منه صلى الله عليه وسلم إقرارًا بصواب صنيعهما، وصار ذلك سنة تقريرية عنه صلى الله عليه وسلم.

2. ما رواه عمرو بن العاص- رضي الله عنه- قال: " احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت، ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ((وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا))، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئًا(3).

3.  ما رواه عروة بن الزبير أن عائشة قالت: " لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم"(4).

وقد علق الأستاذ الدكتور أديب صالح على ذلك قائلاً: " فهذا إقرار منه لا يجوز لأحد بعده أن يعتبر اللعب في المسجد بالسلاح – تمرينًا على الحرب واستعدادًا للقتال إن احتيج إلى ذلك – أمرًا مخالفًا للسنة"(5).

ويقصد بصفاته – صلى الله عليه وسلم – الخَلقية: ما يتعلق بذاته وتكوينه، ومن أمثلة ذلك:

1. حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير"(6).

2. حديث البراء أيضًا، قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعًا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئًا قط أحسن منه"(7).

3. حديث أنس رضي الله عنه، قال: " ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شممت ريحًا قط أو عرفًا قط أطيب من ريح أو عرف النبي صلى الله عليه وسلم"(8).

ويطرح أستاذنا الدكتور مروان شاهين سؤالاً له وجاهته، ويجيب عنه فيقول – حفظه الله-: " قد يسأل سائل: كيف نعتبر الصفات الخَلقية له صلى الله عليه وسلم من السنة مع أنه لا يمكن الاقتداء بها؛ لأنها من قدر الله تعالى, ونحن لا نتعلم السنة إلا لكي نقتدي برسولنا صلى الله عليه وسلم ونتبعه في هديه كله؟

والجواب من عدة وجوه:

أولاً: لكي نعلم الصفاتِ الخَلقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعقل أن يكون هو رسولنا الذي هدانا الله تعالى به، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور ثم لا نعلم ما هي الهيئة الخَلقية التي أوجده الله تعالى عليها.

ثانيًا: حتى يتأكد لنا أن الله تعالى قد خلقه على أحسن هيئة وأكمل صورة بشرية – كما خلقه أيضًا بريئًا من العيوب الخلقية – حتى تجتمع القلوب حوله، وهذا يعتبر من الأدلة على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى قد برأ الأنبياء جميعًا من أيِّ عيب خَلقي.

ثالثًا: لكي يتأكد لنا أن الله تعالى قد أوجده على نفس الهيئة وبنفس الصفات التي ذكرت في الكتب السابقة، وفي هذا دليل واضح على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم، ولعل ما ورد في كتب السيرة من قصة بحيرا الراهب الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في صباه في الثانية عشرة من عمره أثناء رحلته إلى الشام مع عمه أبي طالب، وعرف بحيرا الراهب أنه النبي المنتظر بجملة من العلامات ذكرت له في الكتب السابقة، من بينها خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم، والخاتم هذا أمر خَلقي عرف به بحيرا أنه صلى الله عليه وسلم هو النبي المنتظر.

وقد ذكر القرآن الكريم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مكتوبًا في التوراة والإنجيل، فقال عزّ من قائل: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [سورة الأعراف: 157].

وقد نعى الله تعالى على أهل الكتاب عدم اتباعهم للرسول صلى الله عليه وسلم مع تأكدهم من صدق رسالته، بل ومعرفتهم به كما يعرفون أبناءهم, ومع ذلك كتموا الحق الواضح الصريح وهم يعلمون، قال تعالى: ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ))[سورة البقرة: 46].

يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يخبر تعالى أن أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرف أحدهم أولاده، ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقيق والإتقان العلمي ((لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ))، أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم " وهم يعلمون"(9).

رابعًا: ومن الأسباب التي تجعلنا نعتبر الصفات الخَلقية له صلى الله عليه وسلم من السنة أيضًا، ما حاوله بعض أعداء الإسلام من إلصاق بعض الصفات غير الحقيقية به صلى الله عليه وسلم.

ومعرفتنا بصفاته الخَلقية تجعلنا ندافع عنه ونحن في موقف القوة والثبات لأنه ثبت بكل الأدلة كمال خلقته صلى الله عليه وسلم.

خامسًا: نتعلم صفاتِه الخَلقية ونعتبرها من السنة حتى نقتدي بكل ما يمكن الاقتداء به منها، مثل صفة لحيته صلى الله عليه وسلم"(10).

ويقصد بصفاته الخُلقية: ما يتعلق بأخلاقه الشريفة صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة ذلك:

1. قول السيدة عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت للسائل: " ألست تقرأ القرآن؟ فقال: بلى، قالت: فإن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن"(11).

2. ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها"(12).

3. ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: قال: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا"(13).

 هذه بعض أخلاقه صلى الله عليه وسلم، ولقد وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى درجة الكمال البشري فاتصف بكل صفات هذا الكمال البشري، ووجدت فيه كل صفة على أعلى درجاتها وكمال هيئتها.

وامتدحه رب العزة قائلاً: ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) [سورة القلم: 4].

ولله در القائل:

يا مصطفى من قبل نشأة آدم             والكون لم تفتح له أغلاق

أيروم مخلوق ثناءك بعدهـا              أثنى على أخلاقك الخلاق

الهوامش:

(1) الإحكام في أصول الأحكام 1/ 146.

(2) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماءً 1/ 168، ومسلم في الصحيح، كتاب الجهاد، باب من لزمه أمر فدخل عليه أمر آخر 2/ 88.

(3) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح تعليقًا، كتاب التيمم، باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت 1/ 95، وأبو داود في السنن، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ 1/ 81.

(4) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الصلاة، باب أصحاب الحراب في المسجد 1/ 90، ومسلم في الصحيح، كتاب العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه أيام العيد 1/ 353.

(5) لمحات في أصول الحديث، ص: 29، 30.

(6) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 2/ 271، ومسلم في الصحيح، كتاب الفضائل، باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان أحسن الناس وجهًا 2 / 330.

(7) المرجع السابق.

(8) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 2/ 273، ومسلم في الصحيح، كتاب الفضائل، باب طيب رائحة النبي صلى الله عليه وسلم ولين مسه والتبرك بمسحه 2/ 328.

(9) تفسير ابن كثير 1/ 194.

(10) تيسير اللطيف الخبير في علوم حديث البشير النذير 1/ 21، 22.

(11) الحديث أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل، وهو جزء من حديث طويل،  1/ 399.

(12) الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 2/ 273، ومسلم في الصحيح، كتاب الفضائل، باب كثرة حيائه صلى الله عليه وسلم 2/ 326.

(13) المرجع السابق .