بحث عن بحث

الصورة السادسة:

أن في القرآن الكريم آيات منسوخة – أي: رفع حكمها – نسختها السنة المطهرة، وهذا ما ذهب إليه الجمهور من العلماء، ومن أمثلة ذلك:

قول الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ)[سورة البقرة: 180].

فهذه الآية توجب الوصية للوالدين والأقربين، لكن هذا الحكم منسوخ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث)(1).

فإن قيل: ثبت النسخ بآية المواريث، لا بالحديث، فإنها نزلت بعد آية الوصية باتفاق؟

أجيب: بأن الناسخ للوصية الحديث وليست آية المواريث، ذلك أن آية المواريث بينت أن لهم حقًا هو الإرث، ولم تنف وجوب الوصية لهم، فقد تدل الأولى على الوصية للوالدين والأقارب، والثانية على إعطاء الإرث المقدر لهم شرعًا، فيكون الوالدان والأقارب يجمعون حقين: الوصية والإرث، فجاءت السنة ونسخت الوصية لهم واكتفت بالإرث المقدر لهم شرعًا، وقالت: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه) فليس له بعد ذلك في الوصية حق ما دام أخذ الميراث(2).

وهكذا يتبين بهذه الصور وغيرها عدم استغناء القرآن الكريم عن السنة النبوية، وإلا تعطلت أكثر آياته، وبطلت أحكامها، وبالتالي يتعطل الإسلام ويبطل العمل به.

وقد يسأل البعض:  لِمَ لم يحتو كتاب الله عز وجل على تفصيلات هذه الأمور التي تركها لبيان الرسول صلى الله عليه وسلم؟

والجواب من وجوه:

الأول: أن ذلك يعد آية من آيات إعجاز القرآن الكريم حيث تضمن الأصول العامة والقواعد الكلية للأحكام الشرعية، تاركًا التعرض إلى تفاصيلها والتفريع عليها للسنة ليحقق بذلك النهضة الإنسانية الشاملة، والرقي الاجتماعي والفكري في كل أمة مهما كانت بيئتها وأعرافها، وفي كل زمان.

الثاني: أن القرآن الكريم لو اهتم بهذه التفصيلات لطال إطالة تجعل من الحرج على المؤمنين أن يستقصوه، ويحفظوه، ويرتلوه، وكل هذا واجب عليهم، هذا بالإضافة إلى أنه كتاب هداية يضم كل ما يهدي المؤمنين في كل وقت، ومثل هذه التفصيلات لا أعتقد أن التالي لها - لو كانت في كتاب الله – تشع في نفسه تلك الهداية التي يستشعرها المؤمن في كل آية يتلوها من كتاب الله الكريم.

الثالث: أن القدوة بالرسول صلى الله عليه وسلم حتى تتحقق، فلا بد من الاقتناع العقلي، وهذا يتمثل في أن يرى المسلمون أن هذا الرسول ليس شخصًا فقط، وإنما هو جزء من دينهم الذي جاء به من عند الله، ولن يتحقق هذا الجزء إلا باتباع نبيهم في الصلوات وغيرها، وإلا فكيف يصلي المؤمن دون تنفيذ ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المجال؟ إن هذا مستحيل عقلاً. والله عز وجل أعلم(3).

 

 

 الأمر الثاني الذي يبرز دور السنة في التشريع وأهميتها:

أن هناك أحكامًا كثيرةً استقلت السنة النبوية بتشريعها، وقد تلقت الأمة هذه الأحكام بالقبول، وإن كانت زائدةً على ما جاء في القرآن الكريم.

من هذه الأحكام: مشروعية الشفعة، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وأنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، وأنه لا يقتل مسلم بكافر، وحد الرجم، وحد الردة، والنهي عن زواج المتعة، وغير ذلك كثير وكثير حتى إن ابن القيم يقول: (أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها)(4).

وهذا النوع – السنة المستقلة- مختلف فيه بين العلماء، إلا أن الخلاف ليس في الاعتداد بالأحكام الثابتة في السنة زيادة عن الأحكام الثابتة في القرآن الكريم، وإنما الخلاف في مخرجه وملحظه.

1. فالجمهور يسمون الأحكام الزائدة على ما في القرآن الكريم استقلالاً, ويقولون: قد ثبت لها الاستقلال من الأدلة التي وردت في القرآن الكريم الدالة على وجوب طاعته صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة، تدل على عموم الطاعة بما أتى به مما في الكتاب ومما ليس فيه مما هو من سنته.

قال الشوكاني معبرًا عن هذا الاتجاه: " قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وإنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)(5).

أي: أوتيت القرآن، وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن" (6).

وقال ابن القيم معبرًا ومنتصرًا لرأي الجمهور: " والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:

أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها.

الثاني: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له.

الثالث: أن تكون موجبةً لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمةً لما سكت عن تحريمه.

ولا تخرج عن هذه الأقسام، فلا تعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم تجب طاعته فيه ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب الله، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به(7). وقد قال الله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [سورة النساء: 80].

كما يفيده أيضًا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ....)[سورة النساء: 59].

فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول تجب استقلالاً من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقًا، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه...

" والذي فرض علينا طاعة رسوله وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه – أي الموافقة والمبينة – والذي قال لنا: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [سورة الحشر: 7]. هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه، والله سبحانه ولاه منصب التشريع عنه ابتداء، كما ولاه منصب البيان لما أراد بكلامه، بل كلامه بيان عن الله، والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجه من الوجوه، بل كان السلف الصالح الطيب إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن، ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدًا: إن هذا زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورهم، وسنته أعظم عندهم من ذلك وأكبر.

ولا فرق أصلاً بين مجيء السنة بعدد الطواف وعدد ركعات الصلاة ومجيئها بفرض الطمأنينة وتعيين الفاتحة والنية، فإن الجميع بيان لمراد الله أنه أوجب هذه العبادات على عباده على هذا الوجه، فهذا الوجه هو المراد، فجاءت السنة بيانًا للمراد في جميع وجوهها حتى في التشريع المبتدأ، فإنها بيان لمراد الله من عموم الأمر بطاعته وطاعة رسوله، فلا فرق بين بيان هذا المراد وبين بيان المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها، بل هذا بيان المراد من شيء وذاك بيان المراد من أعم منه"(8).

2. وذهب الشاطبي ومن نحا نحوه إلى أن الزيادة التي وردت في السنة لم يثبت بها استقلالاً، وإنما تفرعت على أصل القرآن الكريم، فما من حكم ثبت في السنة إلا هو قائم على أصل وجد في الكتاب الكريم، وأن ما في السنة يرجع إلى نصوصه وإشاراته، أو عمومه، أو قواعده الكلية التي هي أساس ما فيه من الأحكام الجزئية.

فمثلاً: الرسول صلى الله عليه وسلم حرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها لأن مثله قد حرمه الله – وهو الجمع بين الأختين – في كتاب الله عز وجل، فالمصلحة فيها جميعًا واحدة، وهي قطع صلة الرحم، وبث عوامل التفكك في الأسر التي يريد الإسلام لها أن تتماسك وتتراحم، ولهذا نص عليه الصلاة والسلام على هذه المصلحة عندما نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فقال: (فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)(9).

ولكل واحد من الفريقين أدلته وحججه فيما ذهب إليه(10)، ولكن الذي يهمنا هنا أمران:

الأمر الأول:

أن ما جاءت به السنة من هذا القبيل واجب الاتباع، وهو ما يعترف به الفريقان مع اختلاف وجهة نظرهما في كونه مندرجًا تحت ما جاء في كتاب الله عز وجل أو جديدًا لم ينص عليه فيه.

الأمر الثاني:

أن السنة على كلتا الوجهتين أضافت شيئًا نحن في حاجة إليه سواءٌ أسميناه بيانًا أم جديدًا، ولن نستطيع أن نهتدي إليه من عند أنفسنا، ومن غير هدي من نبينا صلى الله عليه وسلم(11).

ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية: لماذا يحب علينا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعًا مطلقًا، فيقول: (الحديث النبوي هو عند الإطلاق ينصرف إلى ما حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النبوة من قوله وفعله وإقراره، فإن سنته ثبتت من هذه الوجوه الثلاثة، فما قاله إن كان خبرًا وجب تصديقه به، وإن كان تشريعًا إيجابًا أو تحريمًا وجب اتباعه فيه، فإن الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل، فلا يكون خبرهم إلا حقًا، وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب، وأنه ينبئ بالغيب، والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه)(12).

وهكذا يتبين لنا من خلال ما عرضناه في الصفحات السابقة: أهمية السنة، ووجه الحاجة الشديدة إليها، وضرورة العناية بها، والمحافظة عليها.

وقد فهم سلف الأمة هذا المعنى جيدًا، فعملوا على تثبيته وإقراره في النفوس.

فقد روى أبو داود من حديث حبيب المالكي قال: قال رجل لعمران بن حصين:يا أبا نجيد إنكم لتحدثوننا بأحاديث ما نجد لها أصلاً في القرآن، فغضب عمران، وقال للرجل: أوجدتم في كل أربعين درهمًا درهماً، ومن كل كذا وكذا شاة شاة، ومن كل كذا وكذا بعيرًا كذا وكذا؟ أوجدتم هذا في القرآن؟ قال: لا. قال: فعمَّن أخذتم هذا؟ أخذتموه عنا، وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أشياء نحو هذا(13).

وجاء في رواية أخرى عن الحسن: أن عمران بن حصين كان جالسًا ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له: "ادنه، فدنا فقال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعًا، وصلاة العصر أربعًا، والمغرب ثلاثًا، تقرأ في اثنتين؟ أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطواف بالبيت سبعًا، والطواف بالصفا والمروة؟ ثم قال: أي قوم، خذوا عنا، فإنكم والله إلا تفعلوا لتضلن"(14).

     وروى الخطيب عن إسماعيل بن عبيد الله قال: " ينبغي لنا أن نحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نحفظ القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [سورة الحشر: 7]"(15).


 

(1)    سنن أبي داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، رقم: (  )، والترمذي، كتاب الوصايا، باب ما جاء: " لا وصية لوارث"، رقم: (   )، وقال: حسن صحيح، وأخرجه غيرهما.

(2)    أصول الفقه وابن تيمية، ص: 546.

(3)    انظر: المدخل إلى توثيق السنة، ص: 16- 17.

(4)    إعلام الموقعين، (2/ 290).

(5)    أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب لزوم السنة، رقم: (4604)، والترمذي، كتاب العلم، باب ما نهي عنه أنه يقال عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم، رقم: (2663)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وأخرجه غيرهما، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما.

(6)    إرشاد الفحول، ص: 68.

(7)    إعلام الموقعين (2/ 307، 308).

(8)    إعلام الموقعين، (2/ 313).

(9)    أصول التشريع الإسلامي، ص: 40، والحديث أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، (6/ 263).

(10)    انظر: استقلال السنة بالتشريع بين المثبتين والمنكرين، ص: 93 – 122.

(11)    انظر: المدخل إلى توثيق السنة، ص: 15- 16.

(12)    مجموع الفتاوى، (18/ 6، 7، 10).

(13)    سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب ما تجب فيه الزكاة، رقم: (1561).

(14)    أخرجه الخطيب في الكفاية، رقم: (24)، وله طرق عن الحسن، أخرجها ابن حبان في الثقات، (7/ 247)، والحاكم في المستدرك (1/ 109)، والطبراني في الكبير، (18/ 165 رقم: 369)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" رقم: (238)، وهو بمجموع طرقه: حسن.

(15)    الكفاية، رقم: (17).