بحث عن بحث

شرف أهل الحديث

 

عرّفنا فيما سبق بالسنة وأبنا عن أهميتها ووجه الحاجة إليها، وفي هذا المبحث نتحدث عن شرف أهل الحديث وخدمة السنة المطهرة، يدفعنا إلى إبراز ذلك أمور :

أولها : ما نلمحه في الأفق من إحياء فكر الفرق المختلفة من : خوارج ومعتزلة ورافضة، رغم ما واجهه الإسلام من عنتهم، وما كان لآرائهم في الصحابة وأئمة المسلمين – خاصة المحدثين – من جموح ، فقد رموهم بحمل الكذب ورواية المتناقض، وأسهبوا في ذمهم ، وبالغوا في انتقاصهم، الأمر الذي يدعونا إلى إنصاف المحدثين ، والانتصار لهم ببيان شرفهم وعلو قدرهم ورفعة منزلهم وإبراز جهودهم عبر العصور المختلفة في خدمة السنة النبوية والذب عنها .

ثانيها : تهيئة القارئ لما سيهوله فيما بعد من جهد مضن قد بلغ بأصحابه مبلغا بوأهم الصدارة فبزوا أقرانهم من أرباب العلوم الأخرى شرفا وسموا .

وإذا كان الأمر كذلك فأقول وبالله تعالى التوفيق :

شرف العلم من شرف المعلوم ,  وكذا يتشرف العالمون به ، فلما كان المعلوم أقوال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وأفعاله وتقريراته، فإن العلم بها يسمو بأهله، فينالون من الشرف أعظمه، ومن العزة أعلاها، وقد دل على ذلك أحاديث وآثار، وأقوال للعلماء وأخبار، إليك طرفا منها :

1-    روى الترمذي بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (نضر الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع)(1).

قال القارى : (خص مبلغ الحديث كما سمعه بهذا الدعاء لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة فجازاه بالدعاء بما يناسب حاله، وهذا يدل على شرف الحديث وفضله ودرجة طلابه، حيث خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء لم يشرك فيه أحداً من الأمة، ولو لم يكن في طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة، سوى أن يستفيد بركة هذه الدعوة المباركة، لكفى ذلك فائدة وغنما، وجل في الدارين حظا وقسما)(2).

وقال أبو بكر بن العربي : (قال علماء الحديث ما من رجل يطلب الحديث إلا كان على وجهه نضرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) الحديث. قال: وهذا دعاء منه عليه السلام لحملة علمه، ولابد بفضل الله من نيل بركته )(3).

وإلى هذه النضرة أشار أبو العباس العزفي بقوله:

أهل الحديث عصابة الحـق            فازوا بدعوة سيد الخلــق

فوجوههم زهر منضــرة             لألاؤها كتألق البــــرق

يا ليتني معهم فيدركــني             ما أدركوه بها من السبــق

2- روى البيهقي وابن عبدالبر وغيرهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)(4).

وفي هذا الحديث تخصيص حملة السنة بهذه المنقبة العلية وتعظيم لهذه الأمة المحمدية، وبيان لجلالة قدر المحدثين وعلو مرتبتهم في العالمين ، لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الروايات من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها .

قال النووي : (هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وإن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئاً من علم الحديث، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئاً منه)(5).

وقال الحاكم: (لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد، لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد)(6).

3- روى الترمذي بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)(7).

قال أبو اليمن بن عساكر (ليهن أهل الحديث هذه البشرى، فقد أتم الله نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنهم أولى الناس بنبيهم، وأقربهم إن شاء الله تعالى وسيلة يوم القيامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم يخلدون ذكره في دروسهم، ويجددون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات، في مجالس مذاكرا تهم ودروسهم، فهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية، جعلنا الله منهم وحشرنا في زمرتهم)(8).

4- روى الترمذي بسنده عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة)(9).

قال البخاري : قال علي بن المديني: (هم أصحاب الحديث)(10) .

وقال الإمام أحمد لما سئل عن الطائفة المنصورة المذكورة في الحديث: (إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث، فلا أدري من هم).

قال الحاكم معقباً: (فلقد أحسن أحمد بن حنبل في تفسير هذا الخبر، أن الطائفة المنصورة التي يدفع الخذلان عنهم إلى قيام الساعة هم أصحاب الحديث، ومن أحق بهذا التأويل من قوم سلكوا محجة الصالحين ، واتبعوا آثار السلف من الماضين، ودفعوا أهل البدع والمخالفين، بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين)(11) .

لقد تشرف أصحاب الحديث، وهم نقلته ورواته، بنقله وروايته، ولم يكتفوا بل محصوا صحيحه من سقيمه، فعرفوا مرفوعه من موقوفه، وموصوله من مقطوعه، فأظهروا للصحيح حجته، وأبانوا للضعيف علته ، فوضعوا أسسا لعلومه، حددت الخبر من حقيره وعظيمه، فاشترطوا لذلك الأسانيد، وشدوا الرحال، ويمموا صوب المشرق والمغرب طلبا للعلو، وميلا للسماع، ودرءا للتدليس،وقطعاً للوهم،ونقبوا في عدالة الرواة، وغاية جهدهم الذب عن سنة نبيهم، فقعدوا لذلك القواعد وأصلوا الأصول، فكان ما أنتجته قرائح عقولهم ضربا من الإبداع لم يسبقوا إليه  في تاريخ الملل منذ غور الزمان حتى يومنا هذا . ومن كان ذلك شأنه فهو حسبه.

روى القاضي عياض بسنده إلى الأعمش أنه قال: (لا أعلم قوما أفضل من قوم يطلبون هذا الحديث، ويحيون هذه السنة ، وكم أنتم في الناس؟ والله لأنتم أقل من الذهب )(12).

قال الإمام النووي: (... ومن أهم أنواع العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات أعني معرفة متونها؛  صحيحها وحسنها، وضعيفها ومتصلها, ومرسلها ومنقطعها, ومعضلها ومقلوبها, ومشهورها وغريبها, وعزيزها ومتواترها, وآحادها وأفرادها، معروفها وشاذها, ومنكرها ومعللها , وموضوعها ومدرجها, وناسخها ومنسوخها, وخاصها وعامها, ومجملها ومبينها, ومختلفها وغير ذلك من أنواعها المعروفات .

ودليل ما ذكرته : أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات، وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهية، فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات، وبيانها في السنن المحكمات، وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالما بالأحاديث الحكميات، فثبت بما ذكرناه أن الاشتغال بالحديث من أجل العلوم الراجحات، وأفضل أنواع الخير، وآكد القربات، وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل على ما ذكرناه على بيان حال أفضل المخلوقات)(13).


 

(1)     سنن الترمذي، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ، رقم ( 2657) وقال : حديث حسن صحيح .وأخرجه غيره من أصحاب السنن .

(2)     مقدمة تحفة الأحوذى ص 13.

(3)     مقدمة تحفة الأحوذى ص 13.

(4)     أخرجه البيهقي في المدخل من طريق إبراهيم بن عبدالرحمن العذري وهو تابعي مقل، وهذا السند معل بالإرسال، لكن الحديث قد روى موصولاً من طريق جماعة من الصحابة، وصحح بعض طرقه الحافظ العلائي في ( بغية الملتمس ص 424) ، وساق ابن عبدالبر بعض أسانيده في ( التمهيد 1/59) وجمع جملة من طرقه ابن القيم في ( مفتاح دار السعادة 1/163-164) وكلامه يشعر بثبوت الحديث عنده ،وذكر الدوسري في ( الروض البسام 1/142-146)جملة من أسانيده ومواضعها في كتب الحديث ورجاله،وأشعر بضعف الحديث عنده، والذي يظهر ليحسن الحديث بمجموع طرقه، والله أعلم .

(5)      الحطة في ذكر الصحاح الستة ص 39.

(6)     الحطة ص 39، مقدمة تحفة الأحوذي ص 15.

(7)     سنن الترمذي ، كتاب الصلاة ، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، رقم ( 484) وقال : حديث حسن غريب، وصححه ابن حبان في صححيه، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي. قال النسائي :ليس بالقوي، وقال أبو داود : هو صالح ووثقه ابن معين، وساق له ابن عدي عدة أحاديث استنكرها وعد هذا منها . انظر: فيض القدير ( 2/442) .

(8)     مقدمة تحفة الأحوذي ص 12-13.

(9)      سنن الترمذي ،كتاب الفتن ،باب ما جاء في أهل الشام ، رقم ( 2192) ، وقال : حديث حسن صحيح.

(10)      سنن الترمذي عقب الحديث السابق .

(11)      معرفة علوم الحديث للحاكم ص 107-108.

(12)      الإلماع للقاضي عياض ص 27.

(13)      مقدمة شرح النووي على مسلم ص 113-114.