بحث عن بحث

 

سادسا: التحذير من قبول رواية الضعفاء وأهل البدع والأهواء.

 

 لقد حذر رسول الله صلي الله عليه وسلم من قبول رواية الضعفاء والوضاعين ، فقال: (يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم)(1).

 فهذا الحديث إخبار من النبي صلي الله عليه وسلم بأنه سيوجد بعده كذابون عليه ، يضلون الناس بما يضعونه ويختلقونه ، وقد وجد ذلك علي نحو ما قاله ، ومن ثم كان التحذير النبوي لتحصين الأمة: (فإياكم وإياهم ، لا يضلونكم ، ولا يفتنونكم).

 وقد بوب النووي لهذا الحديث ولغيره من الآثار بقوله: (باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها).

 وقد وعي الصحابة ومن بعدهم هذا الأمر فاحتاطوا في الرواية ، وأمروا غيرهم بالاحتياط.

 قال أبو هريرة وابن عباس وابن سيرين رضي الله عنهم: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)(2).

 قال القرطبي معلقا علي هذا: (لما كان مرجع الدين إلي الكتاب والسنة ، والسنة لا تؤخذ عن كل أحد ، تعين النظر في حال النقلة واتصال روايتهم ، ولولا ذلك لاختلط الصادق بالكاذب ، والحق بالباطل ، ولما وجب الفرق بينهما وجب النظر في الأسانيد... وهو أمر واضح الوجوب لا يختلف فيه ، وقال عقبة بن نافع لبنيه: يا بني ! لا تقبلوا الحديث إلا من ثقة ، وقال ابن معين: كان فيما أوصي به صهيب بنيه أن قال: يا بني ! لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا من ثقة... وقال سليمان بن موسي: قلت لطاووس: إن فلانا حدثني بكذا وكذا ، فقال: إن كان مثبتا فخذ عنه)(3).

 وهذا بشير العدوي يأتي إلي ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه ، فقال: يا ابن عباس ! ما لي لا أراك تسمع لحديثي ؟ أحدثك عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا تسمع ، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ابتدرته      أبصارنا ، وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعبة والذلول ن لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف(4).

 فابن عباس يقرر أنه كان في أول الأمر يحدث عن الصحابة - لأنهم عدول - ويأخذ عنهم ، لأن سماعه من رسول الله صلي الله عليه وسلم كان قليلا لصغر سنه ، فكان حاله مع الصحابة كما قال ، فلما تلاحق التابعون وحدثوا ، وظهر له ما يوجب الريبة لم يأخذ عنهم ، كما فعل مع بشير العدوي.

 وقوله: (فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف) هذا مثل ، وأصله في الإبل ، ومعناه: أن الناس تسامحوا في الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم واجترؤوا عليه ، فتحدثوا بالمرضي عنه ، الذي مثله بالذلول من الإبل ، وبالمنكر منه الممثل بالصعب من الإبل(5).

 

 سابعا: رد ما يتنازع فيه إلي الكتاب والسنة الصحيحة.

 لقد أمر الله سبحانه وتعالى برد ما يتردد فيه ، وما يقع فيه تنازع لعدم تصديق النقل أو العقل له

 إلي كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم الثابتة حتي لو ظن  صحة روايته ، ويدل علي هذا قول الله تعالى: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلي الله والرسول)(6).

 - إذ المراد بالرد إلي الله الرجوع إلي كتابه القرآن الكريم.

 - وبالرد إلي الرسول الرجوع إليه صلي الله عليه وسلم حال حياته ، وإلي سنته بعد مماته.

 - وبالشئ الذي يتنازع فيه كل شئ من أمور الدين والدنيا لأنه نكرة في سياق الشرط فيعم كل ما يتنازع فيه المسلمون ، ويدخل في ذلك ما يتنازعون في قبوله من الأحاديث ، بل هو أولي بذلك من غيره لخطر ما يترتب عليه ، وعلي هذا وضع العلماء قاعدة مشهورة للحكم علي الحديث ، وهي قولهم: (إذا رأيت الحديث يباين المعقول ، أو يخالف المنقول ، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع)(7).

 هذه أبرز الأسس العلمية التي وضعت في عصر النبي صلي الله عليه وسلم للرواية ، وقد أخذ بهذه الأسس - في خدمة السنة - الصحابة الكرام والأجيال اللاحقة ، إذ حكمتهم هذه التعاليم ، وحددت سيرهم ، وبعثت فيهم النشاط لحفظها ، وألهبت في صدورهم الغيرة عليها ، والدفاع عنها ، والذود عن حياضها.

 وتأتي أهمية هذه الأصول التي صانت السنة وكانت سياجا قويا لحفظها ، وخطا منيعا للدفاع عنها من أن الذي رسخها وعمقها في نفوس الأمة جيلا بعد جيل هو القرآن الكريم والسنة المطهرة ، وبهذا يتضح أن قواعد المحدثين التي وضعوها ، وضوابطهم التي احتكموا إليها في تدوين السنة والمحافظة عليها لم تأت من فراغ ، ولم تبن علي غير أساس ، وإنما أسسها القرآن وبنتها السنة ، ومع هذه الدلالة الظاهرة الواضحة بنصوصها فقد غفل كثير من الباحثين عنها وعن أهميتها ودورها في تأصيل قواعد الرواية والنقل الصحيحين.

 


 

(1)     أخرجه مسلم ، المقدمة (15 - 16).
(2)     الأثر أخرجه عن أبي هريرة وابن عباس ابن حبان في كتابه المجروحين (1 / 21 ، 22) وأخرجه عن ابن سيرين مسلم في مقدمة صحيحه رقم (26).
(3)     المفهم 1 / 121 - 122.
(4)     مقدمة صحيح مسلم ، رقم (21)
(5)     انظر: المفهم 1 / 124.
(6)     سورة النساء / 59.
(7)     انظر: تيسير علوم الحديث ص 20.