بحث عن بحث

وسائل الصحابة في خدمة السنة

كان للصحابة رضي الله عنهم وسائل وضوابطهم التي أخذوا بها في خدمة السنة النبوية وصيانتها والمحافظة عليها، وتتمثل هذه الوسائل في:

1- تلقي الحديث.

2- تبليغه.

3- كتابته.

4- وضع قواعد الرواية.

5- مدارسة الحديث.

أولاً: تلقي الحديث:

لقد تلقى الصحابة – رضي الله عنهم – الحديث وتحملوه بكل صور التحمل الممكنة في ذلك العصر، ومن تلك الصور:

أ) السماع:

كان الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصين كل الحرص على حضور مجلسه صلى الله عليه وسلم لسماع الأحاديث منه، والتزود من توجيهاته السديدة، ونصائحه الكريمة، وبيانه الرشيد للقرآن المجيد، وفي السنة أحاديث لا تكاد تحصى صرح فيها الصحابة بسماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم، منها على سبيل المثال:

ما رواه البخاري وغيره عن علقمة بن وقاص قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب قال: سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول:( يا أيها الناس إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن هاجر إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه).(1)

ولما كانت عندهم أعمال تشغلهم في بعض الأوقات عن حضور مجلسه صلى الله عليه وسلم، تناوبوا الذهاب إليه صلى الله عليه وسلم، كي يبلغ الشاهد منهم الغائب، فلا يفوت أحداً منهم أمراً من الأمور التي يجب أن يحفظوها عنه، وينفذوا ما فيها من تعاليم.

فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:( كنت أنا وجار لي من  الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالى المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوماً، وأنزل يوماً، فإذا نزلت جثته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك...) الحديث.(2)

وفي رواية:( وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم آتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر).(3)

وفي رواية:( وكان رجل من الأنصار إذا غاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدته أتيته بما يكون، وإذا غبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد أتاني بما يكون من ر سول الله صلى الله عليه وسلم) (4).

ولما لم يكن من الممكن أن يكون كل الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال، إذ لم يكونوا جميعا ًمن سكان المدينة المنورة، والذين كانوا من المدينة كانت لهم أعمالهم وتجارتهم وزراعتهم، من ثم كان لابد أن يطلبوا ما فاتهم سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعونه من أقرانهم، وأن يحمل بعضهم عن بعض.

قال الحاكم:( وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسمعونه من أقرانهم، وممن هو أحفظ منهم، وكانوا يشددون على ما يسمعون منه).(5)

وعن البراء بن عازب – رضي الله عنهما – قال:( ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحدثنا أصحابنا عنه، وكانت تشغلنا عنه رعية الإبل).(6)

وفي رواية:( ليس كلنا كان يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة(7) وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب).(8)

وعن حميد الطويل، أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فغضب غضباً شديداً، وقال:( والله ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كان يحدث بعضنا بعضاً، ولا يتهم بعضنا بعضاً). (9)

وفي رواية: كنا مع أنس بن مالك رضي الله عنه، فقال:( والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا).(10)

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث صحابته الكرام، إذا سمعوا الحديث منه، على أن يبلغ بعضهم بعضا، وليحدث الحاضر منهم الغائب.(11)

فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:( إني محدثكم الحديث، فليحدث الحاضر منكم الغائب).

ولم يكن الصحابة رضي الله عنهم يلتزمون بذكر إسنادهم عن الصحابة الذين أخذوا عنهم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانوا ينسبون الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:( كنا نغزو وندع الرجل والرجلين لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنجئ من غزاتنا، فيحدثونا بما حدث به رسول الله، فنحدث به، نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم). (12)

وكان بعضهم إذا سئل أو روجع ذكر الصحابة الذي سمع الحديث منه عن النبي صلى الله عليه وسلم.

روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي بكر بن عبدالرحمن قال: سمعت أبا هريرة – رضي الله عنه – يقص، يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبا فلا يصوم، فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن الحارث – لأبيه – فأنكر ذلك.

فانطلق عبدالرحمن وانطلقت معه، حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، فسألهما عبدالرحمن عن ذلك – قال: فكلتاهما قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من غير حلم ثم يصوم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبدالرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول، قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله، قال: فذكر له عبدالرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك ؟ قال: نعم، قال: هما أعلم.

ثم رد أبو هريرة ما  كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك الحديث. (13)

قال ابن حبان:( وإنما قبلنا أخبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رووها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يبينوا السماع في كل ما رووا، وبيقين نعلم أن أحدهم ربما سمع الخبر عن صحابي آخر، ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذلك الذي سمعه منه، لأنهم رضي الله عنهم أجمعين – كلهم أئمة سادة قادة عدول، نزه الله عز وجل أقدار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يلزق بهم الوهن.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم:( ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب) أعظم الدليل على أن الصحابة كلهم عدول، ليس فيهم مجروح ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم مجروح أو ضعيف أو كان فيهم أحد غير عدل لا ستثنى في قوله صلى الله عليه وسلم، وقال: ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب، فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم، دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً. (14)


 

(1) الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحيل، باب في ترك الحيل...، رقم( 6953) ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم:" إنما الأعمال بالنية"، رقم( 4927).

(2) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب التناوب في العلم، رقم( 89)، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، رقم( 3692).

(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة التحريم، رقم( 4913)، ومسلم في الموضع السابق.

(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتجوز من اللباس والبسط، رقم( 5843)، وفي كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خير الواحد الصدوق، رقم( 7256).

(5) معرفة علوم الحديث ص 14.

(6) أخرجه أحمد في المسند( 4/283) وقال الهيثمي في المجمع( 1/54):" ورجاله رجال الصحيح"، والحاكم في المستدرك( 1/95)وقال:" صحيح على شرط الشيخين وليس له علة ولم يخرجاه".

(7) الضيعة: العقار والأرض المغلة. القاموس المحيط ص 960.

(8) أخرجه الرامهرمزي في" المحدث الفاصل" ص 235 رقم( 133)، والخطيب في" الجامع"( 1/74) رقم( 102).

(9) أخرجه الحاكم في المستدرك( 3/575) وسكت عليه هو والذهبي، وابن سعد في الطبقات( 7/21)، والخطيب في الجامع( 1/174، 175)رقم( 103).

(10) أخرجه الطبراني في الكبير( 1/246) رقم( 699) وقال الهيثمي في المجمع( 1/153):" رجاله رجال الصحيح".

(11) عزاه الهيثمي في المجمع( 1/139) للطبراني في الكبير، وقال:" رجاله موثقون"، وأخرجه الرامهرمزي في" المحدث الفاصل" ص 171 رقم( 14).

(12) عزاه في كنز العمال( 10/296 رقم 29493) لابن أبي شيبة وابن عساكر.

(13) صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، رقم(2589).

(14) مقدمة الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان( 1/161-162).