بحث عن بحث

 تلقي الحديث

ب- العرض:

نشأت طريقة القراءة على الشيخ – العرض – مع طريقة السماع في تلقي الحديث في هذا العهد المبارك، وقد عقد الإمام البخاري في كتاب العلم من صحيحه بابا عنون له بقوله:" باب القراءة والعرض على المحدث"، أورد فيه حديث ضمام بن ثعلبة حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد على في نفسك، فقال:" سل عما بدا لك"، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، الله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال:" اللهم نعم"، قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال:" اللهم نعم".

قال: أنشدك بالله، الله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" اللهم نعم"، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.(1)

قال البخاري: واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة، وقال: فهذه قراءة على النبي صلى الله عليه وسلم، أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه.(2)

وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحراً ينشق له عن الأمر الأمور، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:( اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل)، فلما عمى أتاه ناس من أهل الطائف، ومعهم علم من علمه، أو كتب من كتبه فجعلوا يستقرئونه، وجعل يقدم ويؤخر، فلما رأى ذلك، قال: إني قد تلهت (3)من مصيبتي هذه" فمن كان عنده علم من علمي أو كتب من كتبي فليقرأ علي، فإن إقراري له به كقراءتي عليه".(4)

هذه روايات استنبط العلماء منها طريقة من طرق التحمل وهي العرض والقراءة على الشيخ ، وتلك رواية أخرى تفيد حكم القراءة على الشيخ، فعن علي كرم الله وجهه، قال:" القراءة على العالم بمنزلة السماع". (5)

ج- المذاكرة:

كانت المذاكرة بابا من أبواب تحمل الصحابة للسنة، فيسمع أحدهم في مجلس المذاكرة ما غاب عنه سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم.

فمن ذلك: ما رواه أبو وائل شقيق بن سلمة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال:( أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة)؟.

فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال، قال: هات، إنك لجرئ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر").

قال – يعني عمر – ليست هذه، ولكن التي تموج كموج البحر، قال: يا أمير المؤمنين، لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابا مغلقاً، قال: يفتح أو يكسر ؟ قال: لا، بل يكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يغلق، قلنا: علم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون غد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأله، وأمرنا مسروقا فسأله، فقال: من الباب؟ قال: عمر.(6)

ومن ذلك: ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: جلسنا مع عمر رضي الله عنه، فقال: هل سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أمر به المرء المسلم إذا سها في صلاته، كيف يصنع؟ فقلت: لا والله، أو ما سمعت أنت يا أمير المؤمنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئاً؟ فقال: لا والله.

فبينا نحن في ذلك أتى عبدالرحمن بن عوف، فقال: فيم أنتما؟ فقال عمر: سألته، فأخبره، فقال له عبدالرحمن: لكني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر في ذلك، فقال له عمر: فأنت عندنا عدل، فماذا سمعت؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:( إذا سها أحدكم في صلاته، حتى لا يدري أزاد أم نقص، فإن كان شك في الواحدة والاثنتين فليجعلها واحدة، وإذا شك في الاثنتين أو الثلاث فليجعلها ثنتين، وإذا شك في الثلاث أو الأربع فليجعها ثلاثا، حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين وهو جالس، قبل أن يسلم، ثم يسلم). (7)

ومن ذلك: ما روى أبو محمد البجلي، قال:" التقي علي بن أبي طالب وكعب الأحبار، فقال كعب: يا علي، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المنجيات؟ قال: ولكن سمعته يقول في الموبقات، فقال كعب لعلي: حدثني بالموبقات حتى أحدثك بالمنجيات، فقال علي رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الموبقات: ترك السنة، ونكث البيعة، وفراق الجماعة، فقال كعب لعلي: المنجيات: كف لسانك، وجلوس في بيتك، وبكاؤك على خطيئتك". (8)

وهكذا كانت المدارسة والمذاكرة للحديث سببا من أسباب تحمل الصحابة بعضهم عن بعض، بل وسبب من أسباب حفظ الحديث وضبطه.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:( كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه بيننا حتى نحفظه).(9)

وفي رواية:( كنا قعودا مع النبي صلى الله عليه وسلم – فعسى أن يكون قال: ستين رجلا – فيحدثنا الحديث، ثم يدخل، فنتراجعه بيننا، هذا ثم هذا، فنقوم كأنما زرع في قلوبنا). (10)

ومن ثم وجه الصحابة رضي الله عنهم طلاب العلم إلى ذلك، وحرضوهم عليه، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:" تذاكروا هذا الحديث وتزاوروا، فإنكم إن لم تفعلوا يدرس".(11)


 

(1)- صحيح البخاري، كتاب العلم، باب القراءة والعرض على المحدث، رقم( 63).

(2) - المصدر السابق.

(3) - تله الرجل إذا تحير، والأصل: وله إلا أن العرب قد تقلب الواو تاء، النهاية( 5/227).

(4) - الكفاية ص 263.

(5) - المحدث الفاصل ص 428-249.

(6) - الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة كفارة، رقم( 525)، وكتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج كموج البحر، رقم( 7096) ومواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الفتن، باب في الفتنة التي تموج كموج البحر، رقم( 7268).

(7) - أخرجه الذهبي بتمامه بسنده في السير( 1/71،72) وقال:" حديث حسن، صححه الترمذي والحاكم في مستدركه( 1/324، 325) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأخرجه بلفظ قريب الإمام أحمد في مسنده"( 1/190)، وأخرجه من غير قصة المذاكرة: الترمذي في سننه، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان، رقم( 398)، وقال:" حسن غريب صحيح"، وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فيمن شك في صلاته، رقم( 1209).

(8) - أخرجه الرامهرمزي في" المحدث الفاصل" ص 592رقم( 845).

(9) - أخرجه الخطيب في الجامع( 1/363،364رقم 466) وفيه يزيد الرقاشي، وهو ضعيف كما قال الذهبي في الميزان( 4/418).

(10) - أخرجه أبو يعلى في مسنده( 7/131رقم 4091)، وقال الهيثمي في المجمع( 1/161):" فيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف".

(11) - أخرجه الدارمي في سننه، المقدمة، باب مذاكرة العلم، رقم( 626)، وابن أبي شيبة في المصنف( 8/545 رقم 6185)، والرامهرمزى في" المحدث الفاصل" ص 545 رقم( 721)، والحاكم في معرفة علوم الحديث ص 141، وإسناده صحيح.