بحث عن بحث

من وسائل الصحابة في خدمة السنة

تلقي الحديث:   

د- المكاتبة:

لقد تفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمصار المختلفة، ولم يكن بإمكان البعض منهم الرحلة لسماع الحديث من إخوانهم من الصحابة، فكاتب بعضهم بعضا في شأن تلقي حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

فمن ذلك: ما رواه وراد كاتب المغيرة بن شعبة رضي الله عنه  قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: اكتب إلى بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر صلاته، فكتب إليه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر صلاته إذا قضاها:" لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".(1)

وفي رواية أخرى قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:( إن الله كره لكم ثلاثا، قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال). (2)

ومن ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه من طريق المهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة، مع غلامي نافع: أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكتب إلي: سمعت  رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة، عشية رجم الأسلمى، فقال:" لا يزال الدين قائما حتى  تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش" وسمعته يقول:" عصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى، أو آل كسرى" وسمعته يقول:" إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم" وسمعته يقول:" إذا أعطى الله تعالى أحدكم خيرا فليبدأ بنفسه وأهل بيته" وسمعته يقول:" أنا الفرط على الحوض".(3)

وقد استمرت هذه السنة فيما بعد بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فكتب بعضهم إلى بعض يطلب بعض الأحاديث، ويرويها.

هـ - الرحلة لتلقي الحديث والتثبت منه:

في عهد الصحابة بدأت الرحلة لطلب الحديث، فكان بعضهم يقطع المسافات الطويلة في طلب الواحد من الحديث والتثبت من قائله والفوز بسنده العالي.

فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال:( بلغني عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا، ثم شددت رحلي، فسرت إليه شهرا، حتى قدمت الشام، فإذا عبدالله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبدالله ؟ قلت: نعم، فخرج عبدالله بن أنيس فاعتنقني، فقلت: حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" يحشر الله الناس يوم القيامة عراة غرلا بهما"، قلنا: ما بهما ؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة"، قلت: وكيف ؟ وإنما نأتي الله عراة بهما؟ قال: بالحسنات والسيئات، يعني: القصاص يكون بالحسنات والسيئات). (4)

وعن عطاء بن أبي رباح قال: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر – وهو بمصر – يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره، وغير عقبة، فلما أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري – وهو أمير مصر – فأخبر به، فعجل، فخرج إليه فعانقه، ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن، قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم:( من ستر مؤمنا في الدنيا على خزية، ستره الله يوم القيامة، فقال له أبو أيوب: صدقت، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة، فما أدركته جائزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر).(5)

 


(1) -  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، رقم( 844)، ومسلم في صحيحه – واللفظ له – كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، رقم( 1338).

(2) -  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى:" لا يسألون الناس إلحافاً" رقم( 1477).

(3) - صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، رقم( 4711).

(4) -  الحديث أخرجه أحمد في المسند( 3/495)، والبخاري في الأدب المفرد( رقم 970)، والحاكم في المستدرك( 2/437) وصححه ووافقه الذهبي، والخطيب في الرحلة في طلب الحديث ص 109، وقال ابن حجر في الفتح( 1/174):" إسناده حسن وقد اعتضد"، وقال الهيثمي في المجمع( 10/345-346):" رواه أحمد ورجاله وثقوا، ورواه الطبراني في الأوسط بنحوه إلا أنه قال: بمصر، وقال المنذري في الترغيب( 4/202):" رواه أحمد بإسناد حسن".

(5) -  أخرجه الحميدي في المسند( 1/189، 190رقم 384)، وأحمد في المسند( 4/153)، والخطيب في الرحلة ص 118-120، والحاكم في معرفة علوم الحديث ص 7-8، وابن عبدالبر في الجامع رقم( 567)، وإسناده ضعيف، فيه أبو سعد الأعمى، وقيل أبو سعيد، تفرد بالرواية عن ابن جريج، فهو مجهول، وقال ابن حجر في الفتح( 1/175):" سنده منقطع"، وللحديث طرق كثيرة لا تخلو أسانيدها من مقال، ولكن مجموع هذه الطرق ترتقي به إلى درجة الحسن، والله أعلم، وانظر: المسند( 4/62، 159)والرحلة ص 120، والعلم لأبي خيثمة رقم 33، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم، رقم( 2590)، وشاهد من حديث ابن عمر عند البخاري، رقم( 2442)و عند مسلم رقم( 2580).