بحث عن بحث

من وسائل الصحابة في خدمة السنة

ثانيا: تبليغ الحديث:

كما جدّ الصحابة في تلقي الحديث بكل الصور الممكنة والتي عرضنا لها فيما سبق، كذلك جدّوا في التبليغ، لاسيما وقد حضهم رسول الله _صلى الله عليه وسلم على ذلك حضا شديدا في مواقف مختلفة، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم_عقب بعض خطبه:" اللهم هل بلغت... اللهم اشهد، يا أيها الناس: ليبلغ الشاهد منكم الغائب".(1)

وقد أخذ التبليغ صوراً مختلفة منها:

أ) مجالس التحديث:

من الوسائل التي اتخذها أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_لتبليغ السنة وتعليم الحديث عقد مجالس للرواية، فكان بعضهم يعقد مجلساً لرواية الحديث عن النبي _صلى الله عليه وسلم_، ويتواعد مع تلامذته على ذلك، فيفدون إليه متهيئين للسماع والحفظ،ومن هؤلاء:

1- عثمان بن عفان _رضي الله عنه_:

فعن عروة عن حمران أنه قال يوماً:" فلما توضأ عثمان قال: والله لأحدثنكم حديثاً، لولا آية في كتاب الله _عز وجل_ ما حدثتكموه، إني سمعت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول: لا يتوضأ رجل فيحسن الوضوء ثم يصلي الصلاة إلا غُفِر له، ما بينه وبين الصلاة التي يصليها.

قال عروة الآية:" إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس، في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون". (2)

2- أبو هريرة _رضي الله عنه_.

فعن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم، أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب النبي _صلى الله عليه وسلم_ بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي _صلى الله عليه وسلم _فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم، ثم يحدثهم، فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه بعض، حتى فعل ذلك مراراً، فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_. (3)

وعن مكحول قال:" تواعد الناس ليلة إلى قبة من قباب معاوية فاجتمعوا فيها فقام أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_حتى أصبح".(4)

وعن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب قال:" رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر قائماً، ويقول: حدثنا أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم_ الصادق المصدوق، فلا يزال يحدث حتى يسمع فتح باب المقصورة لخروج الإمام فيجلس".(5)

 وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، أنه كان يقوم كل خميس فيحدثهم.(6)

3- عبدالله بن مسعود _رضي الله عنه_:

فعن أبي وائل شقيق بن سلمة قال:" كان عبدالله يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، قال:" أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ يتخولنا بها، مخافة السآمة علينا". (7)

4- عمران بن حصين _رضي الله عنه_:

فعن هلال بن يساف قال:" قدمت البصرة، فدخلت المسجد، فإذا أنا بشيخ أبيض الرأس واللحية، مستند إلى اسطوانة في حلقة يحدثهم، فسألت: من هذا ؟ قالوا: عمران بن حصين _ رضي الله عنهما_". (8)

5- أبو أمامة الباهلي -رضي الله عنه-:

فعن مكحول قال: دخلت أنا وابن أبي زكريا، وسليمان بن حبيب، على أبي أمامة -رضي الله عنه- بحمص، فسلمنا عليه، فقال:" إن مجلسكم هذا من إبلاغ الله لكم، واحتجاجه عليكم، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بلغ، فبلغوا". (9)

وعن سليم بن عامر قال:" كنا نجلس إلى أبي أمامة فيحدثنا كثيراً ويقول للناس:" اسمعوا واعقلوا، وبلغوا عنا ما تسمعون – وفي رواية – بلغوا عنا فقد بلغناكم، يرى أن حقا عليه أن يحدث بكل ما سمع".(10)

6- عبدالله بن سلام -رضي الله عنه-:

فعن خرشة بن الحر، قال:" كنت جالساً في حلقة في مسجد المدينة، قال: وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبدالله بن سلام، قال: فجعل يحدثهم حديثا حسنا، قال: فلما قام قال القوم: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا...." فذكر الحديث في سؤاله عن قولهم، ورؤيا عبدالله بن سلام -رضي الله عنه-، وتأويل النبي -صلى الله عليه وسلم- إياها. (11)

ولم يكن أمر التبليغ قاصراً على هؤلاء، بل انتشرت المدارس الحديثية في جميع الأقطار، وجلس فيها كبار الصحابة يعلمون الناس، ويبلغونهم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. قال الحاكم: فمن مشاهير الصحابة بمكة: عبدالله بن السائب، وعثمان ابن طلحة، وابن عباس....، وكان بالكوفة علي، وابن مسعود، وعمار بن ياسر،وسلمان الفارسي، والنعمان بن بشير.....، وكان بمصر عبدالله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني...،وكان بالبصرة أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وأبو برزة الأسلمي...،وكان بالشام معاذ بن جبل، وعبادة ابن الصامت، وشرحبيل بن حسنة – رضي الله عنهم أجمعين- (12).

هذا وكانت المدينة مجمع الصحابة في عهد عمر بن الخطاب وما تلاه، واشتهر بها: عبدالله بن عمر، وجابر بن عبدالله، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، وأم المؤمنين عائشة-رضي الله عنهم أجمعين- (13).

وقد كان التابعون – رحمهم الله – إذا سمعوا برجل من الصحابة نزل ببلدهم اجتمعوا إليه، وسألوه أن يحدثهم بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.

فعن أبي السليل القيسي قال:" قدم علينا رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم-، فكانوا يجتمعون عليه، فإذا كثروا صعد أعلى ظهر بيت، فحدثهم"(14). 


 

(1) - سبق تخريجه.

(2) - سورة البقرة /159، والحديث أخرجه أبو خيثمة في كتاب" العلم" رقم( 122) وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما ذكر الشيخ الألباني.

(3) - أخرجه البخاري في التاريخ الكبير( 1/186، 187) وعزاه ابن حجر في الفتح( 1/214) للبيهقي في المدخل.

(4) - أخرجه أبو خيثمة في كتاب( العلم) ومن طريقة الخطيب في الجامع( 2/67 رقم 1190) ورجال الإسناد ثقات إلا أن رواية مكحول عن أبي هريرة مرسلة، فإنه لم يسمع منه، وذكره الذهبي في السير( 2/599).

(5) -أخرجه الحاكم في المستدرك( 3/512) وصححه، ووافقه الذهبي، وأورده الذهبي في السير( 2/623).

(6) - أخرجه الخطيب في الجامع( 2/64 رقم 181).

(7) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب من جعل لأهل العلم أياماً معلومة، رقم( 70)، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة المنافقين، باب الاقتصاد في الموعظة، رقم( 7129).

(8) - أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى( 4/218).

(9) -أخرجه الطبراني في الكبير( 8/135رقم 7614) وقال الهيثمي في المجمع( 1/140):" سنده حسن".

(10) - أخرجه الدارمي في سننه، المقدمة، باب البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليم السنن، رقم( 544)، والطبراني في الكبير( 8/160رقم( 7673))، وابن عبدالبر في الجامع( 1/495) رقم( 786)، وقال الهيثمي في المجمع( 1/140):" سنده حسن".

(11) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبدالله بن سلام، رقم( 6383).

(12) - معرفة علوم الحديث ص 190-194.

(13) - انظر: السنة قبل التدوين ص 164-175 فقد ذكر المدارس الحديثية وأثرها في خدمة السنة، وأبرز شيوخها، وأبرز تلاميذها.

(14) -أخرجه السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء ص 50، وأبوخيثمة في كتاب العلم، رقم( 117).