بحث عن بحث

 

 التعريف بابن حبان وصحيحه (3)

العلوم التي برع فيها ابن حبان:

كان ابن حبان ذا همة عالية ، وهذه الهمة لم يكن ليقنعها فن واحد من فنون العصر ، فاتجه إلى تحصيل واستيعاب أكثر ما كان معروفا في زمانه من العلوم والمعارف .

قال الحاكم : "كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال ..." (1)

وقال الذهبي وابن حجر :" كان عارفا بالطب والنجوم والكلام والفقه ، رأسا في معرفة الحديث (2) .

هذه النقول وإن أكدت أن عقلية ابن حبان كانت عقلية موسوعية لا تكتفي بعلم واحد ، إلا أن أعظم ما رسخ فيه ، وبرع ، وغدا من أعلامه ، علم الحديث ، فقد صار الإمام الجافظ المجود العلامة الثقة الثبت المتقن المحقق ، كما وصفه بذلك غير واحد من الكبار(3)

وإذا كات مؤلفات الرجل مرآة علمه ، فمؤلفات ابن حبان شاهد له على رسوخ قدمه ، وطول باعه ، مترجمة عن سمو قدره ، وعلو شأنه ، وهذا ياقوت الحموى وهو الرجل المحقق يشهد بذلك ، فيقول :" ومن تأمل تصانيفه تأملا منصفا ، علم أن الرجل كان بحرا في العلوم " ويقول :" أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره " (4)

وقد عكست مصنفاته هذه عقليته المبدعة ، وثقافته الأصيلة الواسعة ، فلم تكن يستغني عنها بغيرها ، بل صارت كما قال ياقوت : " عدة لأصحاب الحديث "(5)

وكان في الفقه من فقهاء الشافعية ،(6)وأهله تمكنه فيه أن يكون قاضيا ، إذ لا يلي القضاء آنذاك إلا متضلع في الفقه متمكن من نواحيه ، عارف بدقائق مسائله ، ومشكل وقائعه ، فولى القضاء مدة طويلة في أكثر من بلدة منها نسا وسمرقند وغيرهما .

وفي استنباطه للأحكام والمسائل الفقهية كان يغرب في بعض الأحيان فيما يستنبطه ويراه ، فيلحظ في النص ما لا يخطر على قلب أحد ، وقد يدفعه ما ارتآه إلى إنكار معنى صحيح ثابت ، ودفع مالا قبل له بدفعه.

 كقوله في حديث أنس في الوصال : فيه دليل على أن الأخبار التي فيها وضع الحجر على بطنه من الجوع كلها بواطيل ، وإنما معناها الحجز ، وهو طرف الرداء ، إذ الله يطعم رسوله ، وما يغني الحجر من الجوع ؟

ويرد عليه الذهبي بما أخرجه هو نفسه ، فيقول : قد ساق في كتابه حديث ابن عباس في خروج أبي بكر وعمر من الجوع ، فلقيا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبراه ، فقال :" أخرجـني الذي أخرجكــما " فدل على أنه كـان يطـعم ويسـقى في الوصـال خاصة "(7)

ولعل هذا أيضا هو ما دعا أبا عمرو بن الصلاح إلى النيل منه حين قال :" وربما غلط في تصرفه الغلط الفاحش على ما وجدته " (8)فيصدقه الذهبي ويقول :" صدق أبو عمرو " .

وبرع ابن حبان أيضا في علم العربية ، حتى عرف أسرارها ، وحقيقتها ومجازها ، وتمثيلها واستعاراتها ، مما مكنه أن يستنبط الأحكام الشرعية من نصوص القرآن والسنة ، وكثيرا ما كان يمهد لاستنباطه بذكر القاعدة اللغوية المتعارف عليها عند العرب ، كقوله :" العرب تذكر الشيء في لغتها بعدد معلوم ولا تريد بذكرها ذلك العدد نفيا عما وراءه " ، وقوله : "العرب في لغتها تطلق اسم البداءة على النهاية واسم النهاية على البداءة ، وغير ذلك مما نثره في كتابه " الصحيح " مما يكشف عن مدى تعمقه في فهم العربية ، وسبره لغورها ، وإدراكه لمقاصد ألفاظها ، وأسرار تراكيبها .(9)

ونضج ابن حبان أيضا في علم الكلام حتى تأثرت به عقليته ، وتكون به فكره ، واصطبغ بتقسيماته وفصوله وأسلوبه ، فتراه يذهب إلى تقسيم الشيء إلى كلي وجزئي وتفريق الشيئين المتضادين والمتهاترين ــ على حد تعبيره ــ إلى غير ذلك مما هو جلي في تعليقاته وتفسيراته واستنتاجاته في كتابه " الصحيح " وما طريقة ترتيب الصحيح حسب التقاسيم والأنواع إلا ثمرة من ثمار تأثره بعلم الكلام .

وباللإضافة إلى هذا حصل علم الطب والفلك ويظهر أنه بلغ فيهما رتبة أمكن معها القول فيه " كان عالما بالطب والنجوم " .


(1) سير أعلام النبلاء 16/ 94 ـ طبقات الحفاظ ص 375

(2) ميزان الاعتدال 3/ 506 ـ لسان الميزان 5/ 128

(3) انظر السير 16/ 92 ـ تذكرة الحفاظ 3/920 ـ مقدمة الاحسان للأمير علاء الدين الفارسي ص 97

(4) معجم البلدان 1/ 415

(5) معجم البلدان 1/ 415

(6) ترجم له السبكى في طبقات الشافعية 3/ 131

(7) سير أعلام النبلاء 16/ 98

(8) ميزان الاعتدال 3/ 507 .

(9) انظر مقدمة الشيخ شعيب للاحسان ص 19 بتعرف .