بحث عن بحث

 

الحلقة(  48 )  من وسائل الصحابة في خدمة السنة

 

من قواعد الرواية:

 

3- عنايتهم بالإسناد:

 اهتم الصحابة بإسناد الحديث واستعملوا العبارات التي تفيد مزيدا من التوثيق في الرواية كقول أبي عمرو الشيباني: حدثني صاحب هذا الدار وأشار إلى دار عبدالله بن مسعود، قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أي الأعمال أحب إلى الله تعالى، قال الصلاة على وقتها... الحديث"(1).

واشتدت هذه العناية بعد عصر الفتنة، ومن الأقوال الواردة في ذلك قول أبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهما: أن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم " (2).

وبطبيعة الحال نشأت بذور الإسناد فقط، لأن الإسناد إنما هو وسيلة للكشف على الرواة لاختبار عدالتهم وضبطهم، وكلهم في ذلك الوقت عدول ضابطون (3).

 وقد قدم لنا مسلم – رحمه الله ، مثالاً لهذا ، فروى بسنده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يعطي عمر بن الخطاب رضي الله عنه – العطاء، فيقول عمر : أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك(4).

ففي هذا الحديث ثلاثة من الصحابة، كل منهم يروى عن الآخر وهم : السائب بن يزيد عن عبدالله بن السعدي عن عمر بن الخطاب – رضوان الله عليهم أجمعين- ورواه عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

هكذا رأينا كل واحد من هؤلاء الصحابة لم يكتف بذكر من سمعه منه ولم يرفعه من بعد عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما بين كل منهم كيف وصل إليه الحديث. يقول الإمام النووي في شرح هذا الحديث : " وقد جاءت جملة من الأحاديث فيها أربعة صحابيون، يروى بعضهم عن بعض وأربعة تابعيون بعضهم عن بعض"(5).

 

4- الرواية باللفظ ما أمكن :

كان الصحابة – رضي الله عنهم – حريصين على أداء الأحاديث بلفظها الذي سمعوه ما أمكنهم ذلك، من غير تغيير ولا تقديم ولا تأخير، وممن عظمت عنايته بذلك عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم :

فعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم قال : " لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يزيد فيه، ولا ينقص، ولا ، ولا ، مثل عبدالله بن عمر " .

وفي رواية : " كان ابن عمر إذا سمع الحديث لم يزد فيه ، ولم ينقص منه، ولم يجاوزه، ولم يقصر عنه " (6).

ويتضح ذلك في المثال التالي :

عن سعد بن عبيدة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " بني الإسلام على خمسة : على أن يوحد الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج " فقال رجل : الحج وصيام رمضان ؟ قال : " لا " صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم " (7).

وربما سمع ابن عمر  الرجل يبدل لفظا بلفظ آخر في معناه، فيرد عليه روايته ويذكر له اللفظ على ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم :

فعن أبي جعفر محمد بن علي قال : " كان عبدالله بن عمر رضي الله عنه إذا سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، أو شهد معه مشهدا لم يقصر دونه أو يعدوه .

قال : فبينما هو جالس وعبيد بن عمير ( ابن قتادة الليثي ) يقص على أهله مكة إذ قال عبيد بن عمير : " مثل المنافق كمثل الشاة بين الغنمين إن أقبلت إلى هذه الغنم نطحتها، وإن أقبلت إلى هذه نطحتها " فقال عبدالله بن عمر : ليس هكذا، فغضب عبيد بن عمير، وفي المجلس عبدالله بن صفوان، فقال : يا أبا عبدالرحمن ، كيف قال ؟ رحمك الله، فقال : " مثل المنافق مثل الشاة بين الربيضين (8)، إن أقبلت إلى ذا الربيض نطحتها، وإن أقبلت إلى ذا الربيض نطحتها " فقال له : رحمك الله ، هما واحد، قال : " كذا سمعت "(9).

وممن كان يفعل ذلك أيضا : أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه :

فعن حبيب بن عبيد الرحبي قال : " إن كان أبو أمامة ليحدثنا الحديث كالرجل الذي عليه أن يؤدي ما سمع " (10).

وقد كان عمر رضي الله عنه يوصى بذلك ويحض عليه، فعنه رضي الله قال : " من سمع حديثا فأداه كما سمع فقد سلم " (11).

 

5- الرواية بالمعنى إذا صح المعنى :

كان الصحابي إذا استصعب الإتيان باللفظ روى الحديث بالمعنى، وهم أعلم الناس باللغة وبمقاصد الشريعة، وأعرف الناس بنبيهم ومعاني كلامه الكريم، ومواقع خطابه صلى الله عليه وسلم، والمحتمل من معانية وغير المحتمل(12)، وممن قال بذلك واثلة بن الأسقع، رضي الله عنه :

فعن مكحول قال : دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، فقلنا : يا أبا الأسقع، حدثنا بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه وهم ولا زيادة ولا نقصان ، قال : " هل قرأ أحد منكم من القرآن هذه الليلة شيئا؟ " قال : فقلنا : نعم ، وما نحن له بحافظين، حتى إنا لنزيد الواو والألف وننقص، قال : " فهذا القرآن مذ كذا بين أظهركم، لا تألون حفظه، وإنكم تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، عسى أن لا نكون سمعناها منه إلا مرة واحدة، حسبكم إذا حدثتكم بالحديث على المعنى "(13).

وممن قال بذلك عائشة رضي الله عنها :

فعن عروة بن الزبير قال : قالت لي عائش رضي الله عنها : " يا بني، إنه يبلغني أنك تكتب عني الحديث، ثم تعود فتكتبه "، فقلت لها : أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره، فقالت : " هل تسمع في المعنى خلافاً؟ قلت : لا ، قالت : " لا بأس بذلك " (14).

وكذلك فعل عدد كثير من الصحابة رضوان الله عليهم .

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : " كنا نجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، عسى أن نكون عشرة نفر، نسمع الحديث، فما منا اثنان يؤديانه، غير أن المعنى واحد " (15).

وعن زرارة بن أبي أوفى قال : " لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا في اللفظ، واجتمعوا في المعنى " (16).

وعن محمد بن سيرين قال : " كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف، والمعنى واحد "(17) .

 


 


(1) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال 1/50.

(2) - المجروحين لابن حبان 1/21-22.

(3) - توثيق السنة للدكتور رفعت فوزي ص 36.

(4) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب إباحة الأخذ لمن أعطى من غير مسألة 2/723.

(5) - شرح مسلم للإمام النووي 7/136.

(6) - أخرجه الخطيب في الكفاية ص 265.

(7) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أركان الإسلام ودعائمه العظام، رقم ( 111) .

(8) - مثنى الربيض، وهو الغنم برعاتها المجتمعة في مرابضها، القاموس ص 829.

(9) - أخرجه أحمد في مسنده بإسناد صحيح ( 7/259-260 رقم 5546) ط : شاكر ، والدارمي في المقدمة، باب من رخص في الحديث إذا أصاب المعنى ، رقم ( 318)، وصححه الحاكم ( 3/516) ، والحديث المرفوع في هذا عن ابن عمر من غير القصة، أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين، باب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم ( 7043) .

(10) - أخرجه الخطيب في الكفاية ص 124.

(11) - أخرجه ابن عبدالبر في الجامع بيان العلم ( 2/1008 رقم 1919) والخطيب في الكفاية ص 267.

(12) - انظر : مناهج وآداب الصحابة ص 193.

(13) - أخرجه ابن عبدالبر في الجامع ( 1/348رقم 471)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 533، والخطيب في الكفاية ص 308، وأخرج الجزء الأخير منه " حسبكم ... " الدارمي في سننه، المقدمة، باب من رخص في الحديث إذا أصاب المعنى، رقم ( 315) .

(14) - أخرجه الخطيب في الكفاية ص 309-310.

(15) - أخرجه الخطيب في الكفاية ص 309.

(16) - أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 531.

(17) - أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص 534، وابن عبدالبر في الجامع رقم ( 464-465) والخطيب في الكفاية ص 311، وانظر : مناهج وآداب الصحابة ص 191-194.