بحث عن بحث

 

من وسائل الصحابة في خدمة السنة

 

من قواعد الرواية:

 

6- وضع قواعد علم الرجال ( الجرح والتعديل ) :

بدأت بواكير القواعد في علم الرجال في عصر الصحابة، وكان هدفهم من وضع تلك القواعد رغم ثبوت العدالة لجميعهم، هو التحوط من وقوع بعضهم في الخطأ من ناحية، ولرسم الطريق لمن جاء بعدهم من ناحية أخرى، لكي يعملوا على التحري والدقة في صيانة السنة والحفاظ عليها .

سأل ابن عمر أباه عن رواية سعد بن أبي وقاص، فقال عمر : " إذا حدثكم سعد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تسأل غيره " (1). ولما روى عمر عن عبدالله الرحمن بن عوف قال فيه : " العدل الرضا " (2).

فلما حدثت الفتنة بمقتل عثمان رضي الله عنه افترقت الأمة، وظهرت الفرق المنحرفة وراح المبتدعة يبحثون عن مستندات من النصوص يعتمدون عليها في كسب أعوان لهم – الأمر الذي جعلهم يضعون الحديث، ويختلفون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله – عند ذلك جد الصحابة في المحافظة على الحديث، بالغوا في التشديد للرواية .

يقول ابن عباس رضي الله عنهما معلنا عن المنهج الذي بدأ يسود ذلك العصر في تلقي السنة : " إنا كنا إذا سمعنا رجلا يقول : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف " (3).

لقد كان في ذلك التثبت إنشاء لعلم جديد من علوم الحديث، وهو علم الجرح والتعديل الذي كانت قد وضعت أسسه، وأصلت قواعده في الأصلين : القرآن والسنة، فابن عباس رضي الله عنه، يعلن هنا عن بداية حقبة جديدة للرواية، تختلف عن الحقبة السابقة لها، حيث لم يكن يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الحقبة السابقة، إلا من زكاهم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضي الله عنهم، الذين لم يكن يستلزم قبول ما يروونه إلا سماعه منهم، أما الحقبة التي يتكلم عنها ابن عباس رضي الله عنه، فقد بدأ من لم يكن له لقي بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا صحبة، بالحديث عنه صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء لم يلقوه، فحديثهم عنه صلى الله عليه وسلم لابد أن يكون لهم إليه فيه واسطة، ثم إنهم هم أنفسهم ليس لهم شرف الصحبة، ولا لهم تعديل من الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد أن دبت الفتنة ( وركب الناس الصعب والذلول ) كان لابد من معرفة الواسطة المحذوفة في مرسل ذلك التابعي، للتوثق من ثقة تلك الواسطة، وذلك بالطبع – بعد التوثيق من ثقة ذلك التابعي نفسه الذي أرسل الحديث أولاً . فكان هذا أول تطبيق عملي ظاهر لعلم الجرح والتعديل، وأول السؤال عن الإسناد، ورفض المراسيل، وذلك لظهور علتين اقتضت ذلك، هما : علتا رواية المجروح، والإرسال وعدم الإسناد .

وفي الحقيقة ، فإن علة الإرسال عائدة إلى العلة الأولى، لأن عدم قبول المرسل إنما كان لاحتمال كون المحذوف مجروحاً (4).

وقد أرخ بداية نشوء هذين العلمين – على الإسناد وعلم الجرح والتعديل – من علوم الحديث، أحد أئمة التابعين، وهو محمد بن سيرين ( تـ110هـ ) . عندما قال : " لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا : سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم " (5).

وبذلك نشأ علم ميزان الرجال ( الجرح والتعديل ) الذي هو عمود أصول الحديث، فقد تكلم من الصحابة في الرجال: عبدالله بن عباس، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وأم المؤمنين عائشة، وكان كلاما قليلا، لقلة الضعف وندرته .

 

7- نقد المتن :

لم يقتصر اهتمام الصحابة على إسناد الحديث فقط، بل اهتموا بالمتن أيضا فنقدوه وناقشوا الصحابي فيما روى من أحاديث، إذا كانت هذه الأحاديث تبدو متعارضة مع النقل أو العقل – المحكوم بالشرع – أو مبادئ الإسلام العامة، ولم يكن نقدهم للمتن مبنيا على اعتدادهم بالعقل بل لحرصهم على توثيق السنة مما قد يوهم التعارض .

ومن الأمثلة على ذلك : ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن مليكه، قال : توفيت ابنة عثمان – رضي الله عنه – بمكة، وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمرو وابن عباس- رضي الله عنهم – وإني لجالس بينهما أو قال : جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي، فقال عبدالله بن عمرو بن عثمان : ألا تنهى عن البكاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه؟ فقال ابن عباس – رضي الله عنهما – قد كان عمر – رضي الله عنه – يقول بعض ذلك، ثم حدث قال : صدرت مع عمر – رضي الله عنه – من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال : اذهب فانظر من هؤلاء الركب، قال : فنظرت فإذا صهيب، فأخبرته فقال : ادعه لي ، فرجعت إلى صهيب، فقلت ارتحل فالحق بأمير المؤمنين فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي، يقول : " واأخاه وا صاحباه" فقال عمر : يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه" ؟ .

 

قال ابن عباس : فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها – فقالت : رحم الله عمر ، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه " وقالت حسبكم القرآن " ولا تزر وازرة وزر أخرى " قال ابن عباس – رضي الله عنهما – عند ذلك والله " هو أضحك وأبكى "(6) .

وأخرج الإمام مسلم من رواية عروة بن الزبير، قال : ذكر عند عائشة أن ابن عمر يرفع إلى النبي : " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " فقالت : وهل ابن عمر ( أي غلط ونسى ) إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن " وذلك مثل قوله : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب يوم بدر وفيه قتلى من المشركين فقال لهم ما قال : " إنهم يسمعون ما أقول " وقد وهل إنما قال : " إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق " ثم قرأت : " إنك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور "(7)  .

 

يقول الدكتور همام سعيد : " هكذا ناقشت عائشة رضي الله عنها روايات عمر وعبدالله – رضي الله عنهما – بأدلة نقلية من الآيات والأحاديث والمبادئ الإسلامية العامة، وهذا المقال نوع من نقد المتن لم يغفل عنه الصحابة الكرام – رضي الله عنهم .

ولكن جمهور المحدثين يرون صحة ما روى عمر بن الخطاب وابنه عبدالله – رضي الله عنهما – وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الباب بقوله : " باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : " يعذب الميت ببكاء أهله عليه " إذا كان النوح من سنته " فيكون البخاري حمل البكاء على ما إذا كان من عادة أهل الميت قبل موته أن يسمع النواح من أهله فلا يمنعهم ولا ينهاهم ويرضى بذلك منهم، أو إذا أوصى بالبكاء عليه بعد موته، والحديث الذي يروى عن عمر – رضي الله عنه – لا يقدح فيه نقد عائشة – رضي الله عنها – ويحمل على مثل هذا التوجيه .

وعلى كل فقد وقفنا على صورة من صور الحوار النقدي الجاد بين الصحابة – رضي الله عنهم – وهذه الصورة تكشف لنا عن منهجهم في عدم التسليم لبعضهم فيما يروون، إذا كان ما يروى يعارض النقل أو العقل ولا يعني هذا قبول النقد أو صواب الناقد بل قد يقبل، أو يرد، أو يؤخذ منه، ويترك " (8).

ومن خلال هذا العرض للقوانين والقواعد التي سلكها الصحابة في الحفاظ على السنة، والتي تقوم على خدمة الإسناد والمتن، يتضح لنا أن الصحابة – رضي الله عنهم – كانوا هم أول من بدأ بإنشاء ما عرف بعد بـ ( علوم الحديث ومصطلحه ) .

 

 


 


(1) - الحديث أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب المسح على الخفين 1/365.

(2) - الإصابة 4/177، الرفع والتكمل ص 136، وهذه الأقوال صارت من ألفاظ التعديل والتوثيق المستعملة عند علماء الجرح والتعديل فيما بعد، فنجد ابن معين حين يسأل عن أبي عبيد يقول : مثلي يسأل عن أبي عبيد؟ أبو عبيد يسأل عن الناس، ويقول الخطيب معلقا على كلمة عمر : " العدل الرضا " وهذا القول كاف في التزكية لأن الوصف بالعدالة جامع للخلال التي قدمناها في باب صفة العدالة، والقول بأنه رضا تأكيده الكفاية ص 108-110.

(3) - أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه 1/12-13، والحاكم في مستدركه 1/112، والدارمي في سننه، المقدمة، باب في الحديث عن الثقات 1/125.

(4) - انظر : المنهج المقترح لفهم المصطلح ص 29-30.

(5) - أخرج هذا الأثر الإمام مسلم في مقدمة صحيحه 1/15، والإمام الترمذي في العلل الصغير بآخر السنن 5/74، والدارمي في سننه، المقدمة، باب في الحديث عن الثقات 1/123.

(6) - صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم  " يعذب الميت ببكاء أهله " ( 3/180، 181).

(7) - صحيح مسلم، كتاب الجنائز ، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه ( 2/641-642) .

(8) - الفكر المنهجي عند المحدثين ص 55-56.