بحث عن بحث

 

وسائل التابعين في حفظ السنة

 

1- التوسع في الرحلة :

إذا كان الصحابة قد أسسوا للرحلة في طلب الحديث فإن التابعين قد توسعوا فيها حتى صارت قاعدة، فقلما نجد تابعيا لم يرحل، وحتى صار علم الرجل يقاس بكثرة رحلاته .

يقول بسر بن عبدالله : " إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه "(1).

ويقول أبو العالية : " كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواهم " (2).

وقال سعيد بن المسيب : " إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام "(3) .

ورحل الإمام الشعبي في طلب ثلاثة أحاديث ذكرت له وقال : ( لعلي ألقي رجلا لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ") (4).

وحدث الشعبي بحديث ثم قال لمن حدثه : ( خذها بغير شيء وقد كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة ) (5).

وروى ابن أبي خيثمة بسنده عن مكحول قال : ( كنت لعمرو بن سعيد العاص أو لسعيد بن العاص فوهبني لرجل من هذيل بمصر، فأنعم علي بها، فما خرجت من مصر حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته، ثم قدمت المدينة فما خرجت منها حتى ظننت أنه ليس بها علم إلا وقد سمعته، ثم لقيت الشعبي فلم أر مثله رحمه الله )(6).

وكان مسروق كثير الرحلة في طلب الحديث ومذاكرته، وشهد له الشعبي بذلك فقال : ( ما علمت أن أحدا من الناس كان أطلب لعلم في أفق من الآفاق من مسروق)(7) .

 

2- مذاكرة الحديث :

ولم يقتصر أمر التابعين على الرحلة من أجل السماع فحسب، بل كانوا يتذاكرون الحديث فيما بينهم حتى يحفظوه ويثبت في أذهانهم فلا ينفلت منهم .

فعن عطاء قال: ( كنا نأتي جابر بن عبدالله فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا وكان أبو الزبير أحفظنا لحديثه ) (8).

وعن الليث بن سعد قال : ( تذاكر ابن شهاب ليلة بعد العشاء حديثا وهو جالس متوضأ، قال فما زال ذلك مجلسه حتى أصبح ) (9).

وعن الأعمش قال : ( كان إسماعيل بن رجاء يجمع صبيان الكتاب يحدثهم يتحفظ بذاك ) (10).

 بل كانوا يحثون تلامذتهم على ذلك، فعن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال : ( إحياء الحديث مذاكرته، فقال له عبدالله بن شداد: يرحمك الله، كم من حديث أحييته في صدري كان قد مات ) (11).

وعن علقمة قال : ( تذاكروا الحديث فإن حياته ذكره )(12).

 

3- الاحتياط في التحمل والأداء :

وإذا كان التابعون قد جدوا في سماع الحديث وتحمله ومذاكرته فإنهم بنفس الدرجة قد جدوا في الأداء فلم يجز الواحد منهم لنفسه أن يلقي الحديث قبل أن يتثبت فيه وقبل أن يتأكد من أنه لن يحرفه عن وجهه الصحيح .

يقول الإمام الشعبي مصورا عبء الرواية : ( يا ليتني أنفلت من علمي كفافا، لا علي ولا لي ) (13).

ويقول أيضا ما يدل على محاسبته لنفسه في رواية الحديث ( كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث )(14).

ومن أجل هذه حفظوه في صدروهم، وكان قتادة مثلا – كما يروى الرامهرمزي- إذا سمع الحديث يأخذه العويل والزويل (15) حتى يحفظه (16) .

وقد تركت رواية الكثيرين لأنهم غير متثبتين في روايتهم وإن كانوا عدولا، فعن أبي الزناد قال : ( أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال : ليس من أهله ) (17).

 


 


(1) - سنن الدارمي 1/140.

(2) - المصدر السابق .

(3) - الرحلة للخطيب ص 127.

(4) - الرحلة للخطيب ص 196.

(5) - جامع بيان العلم وفضله 1/92-93-94.

(6) - العلم لابن أبي خيثمة ص 118.

(7) - جامع بيان العلم 1/94- العلم ص 117.

(8) - سنن الدارمي 1/149 العلم ص 127.

(9) - سنن الدارمي 1/149.

(10) - سنن الدارمي 1/148.

(11) - سنن الدارمي 1/148- العلم ص 126.

(12) - العلم ص 126.

(13) - تذكرة الحفاظ 1/88.

(14) - تذكرة الحفاظ 1/83.

(15) - عال يعول ويعيل أمره : اشتد وتفاقم والاسم العويل. القاموس ، مادة : عول . وزاوله زوالا ومزاولة : عالجة وحاول طلبه.القاموس. مادة : زول. والمعنى هنا نشط ولم يهدأ حتى يحفظه .

(16) - المحدث الفاصل ص 408.

(17) - مقدمة مسلم 1/15- المحدث الفاصل ص 407.