بحث عن بحث

 

 من وسائل التابعين في حفظ السنة

      

7- كتابة السنة :

لقد تلقى التابعون علومهم على يدي الصحابة وخالطوهم، وعرفوا كل شيء عنهم وحملوا الكثير الطيب من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريقهم، وعرفوا متى كره هؤلاء كتابة الحديث ومتى أباحوه فتأسوا بهم، فمن الطبيعي أن تتفق آراء التابعين وآراء الصحابة حول حكم التدوين، فإن الأسباب التي حملت الخلفاء الراشدين والصحابة على الكراهة هي نفسها التي حملت التابعين عليها، فذا هم يكرهون الكتابة ما دامت أسباب الكراهة قائمة، ويجمعون على الكتابة وجوازها عند زوال تلك الأسباب ، ولن نستغرب أن نرى خبرين عن تابعيين أحدهما يمنع الكتابة والآخر يبيحها ما دمنا نوجه كل مجموعة من هذه الأخبار وجهة تلائم الأسباب التي أدت بها .

وعليه فإن كراهية بعض كبار التابعين للكتابة، كعبيدة بن عمرو السلماني المرادي ( 72هـ) والذي لم يرض أن يكتب عنده أحد ولا يقرأ عليه أحد (1).

وكإبراهيم النخعي ( 96هـ ) والذي كره أن تكتب الأحاديث في الكراريس وتشبه بالمصاحف (2)وكان يقول : ( ما كتبت شيئا قط ) (3)حتى أنه منع حماد بن سليمان من كتابة أطراف الأحاديث  (4)ثم تساهل في كتابتها .

قال ابن عون : ( رأيت حمادا يكتب عن إبراهيم فقال له إبراهيم : ألم أنهك؟ قال : إنما هي أطراف ) (5).

وكقتادة الذي كان يكره الكتابة فإذا سمع وقع الكتاب أنكره والتمسه بيده (6)

ونسمع عامرا الشعبي ( 103هـ ) يردد عبارته المشهورة ( ما كتبت سوداء في بيضاء ولا سمعت من رجل حديثا فأردت أن يعيده علي ) (7).

وإنما دفعهم إلى ذلك خوفهم من اختلاط السنة بآرائهم الشخصية وفي هذا يقول أستاذنا الدكتور يوسف العش : ( وأما من ورد عنهم الامتناع عن الإكتاب من هذا الجيل فيؤول امتناعهم بما لا يخالف ما انتهينا إليه، فهم جميعا فقهاء، وليس بينهم محدث ليس بفقيه، والفقيه يجمع بين الحديث والرأي، فيخاف تقييد رأيه واجتهاده إلى جانب أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم )(8) .

ويوضح هذا بأمثله تثبت ما ذهب إليه فيقول : ( إننا نجد في الواقع أخبارا تروى كراهتهم لكتابة الرأي كاعتذار زيد بن ثابت عن أن يكتب عنه كتاب مروان .. وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب – وهو من الفقهاء والذين روى امتناعهم عن الإكتاب – فسأله عن شيء فأملاه عليه ثم سأله عن رأيه فأجابه فكتبه الرجل ، فقال رجل من جلساء سعيد أيكتب يا أبا محمد رأيك، فقال سعيد للرجل: ناولينها، فناوله الصحيفة فخرقها(9)، وقيل لجابر بن زيد إنهم يكتبون رأيك، قال : تكتبون ما عسى أرجع عنه غدا )(10) .

وكل هذه الأقوال رويت من علماء، حدث المؤرخون عنهم أنهم كرهوا إكتاب الناس وهي تدل دلالة صريحة على أن الكراهة ليست في كتابة الحديث بل في كتابة الرأي، وأن الأخبار التي وردت في النهي دون تخصيص إنما قصد بها الرأي خاصة، ويشابه هذا الأمر ما حدث في أمر كراهية الرسول والصحابة الأولين من التباس الحديث بالقرآن أو الانكباب عليه دونه، فما كانوا يخشونه من الحديث أصبح خشية التابعين الأولين من الرأي والتباسه بالحديث(11).

ويقوى هذا الرأي ما ورد عن هؤلاء التابعين من كتابتهم للحديث عن الصحابة، من أخبار يحثون فيها على الكتابة، ويسمحون لطلابهم أن يكتبوا عنهم، خاصة بعد أن فرق الطلاب بين النهي عن كتابة الرأي، والنهي عن كتابة الرأي مع الحديث، فهذا سعيد بن جبير ( 95هـ ) يكون مع ابن عباس فيستمع منه الحديث فيكتبه في واسطة الرحل فإذا نزل نسخة )(12).

وعنه قال : ( كنت أسير بين ابن عمر وابن عباس فكنت أسمع الحديث منهما، فأكتبه على واسطة الرحل حتى أنزل فاكتبه ) (13).

وهذا عامر الشعبي بعد أن كان يقول : ( ما كتبت سوداء في بيضاء ) يردد قوله : ( الكتاب قيد العلم )(14) وكان يحض على الكتابة ويقول : ( إذا سمعتم مني شيئا فاكتبوه ولو في حائط ) (15)، وكان عطاء بن أبي رباح ( 114هـ ) يكتب لنفسه، وكان طلابه يكتبون بين يديه )(16).

وقد بالغ في حض طلابه على التعلم والكتابة ، فعن أبي حكيم الهمداني، قال : ( كنت عند عطاء بن أبي رباح، ونحن غلمان، فقال : يا غلمان، تعالوا اكتبوا، فمن كان منكم لا يحسن كتبنا له، ومن لم يكن معه قرطاس أعطيناه من عندنا ) (17).

وكان نافع مولى ابن عمر يملى علمه وطلابه يكتبون بين يديه(18) .

وكان عمر بن عبدالعزيز ( 101هـ ) يكتب الحديث، روى عن أبي قلابه قال : خرج علينا عمر بن عبدالعزيز لصلاة الظهر ومعه قرطاس، ثم خرج علينا لصلاة العصر وهو معه، فقلت له : يا أمير المؤمنين، ما هذا الكتاب؟ قال : حديث حدثني به عون بن عبدالله فأعجبني فكتبته (19)، وانتشرت الكتب حتى قال الحسن البصري ( 110هـ ) : ( إن لنا كتبا كنا نتعاهدها )(20).

ونشطت الحركة العلمية وازدادت معها الكتابة ويصور لنا قتادة بن دعامة السدوسي ( 118هـ ) بإجابته لمن يسأله عن كتابة الحديث – موقف هذا الجبل من التابعين من الكتابة إذ يقول : وما يمنعك أن تكتب ، وأخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب ( قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى )(21).

وهذا يدل على أن الكتابة قد شاعت بين مختلف الطبقات ولم يعد أحد ينكرها في أواخر القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني، وقد كثرت الصحف والكتب في ذلك الوقت حتى لنرى مجاهد بن جبر ( 103هـ ) يسمح لبعض أصحابه أن يصعدوا إلى غرفته فيخرج إليهم كتبه فينسخون منها(22) ،وكان أن ظهرت المصنفات المستقلة في العلوم المختلفة ومنها السنة، ومن أبرز المؤلفات الحديثية في هذا العصر :

1-    المغازي والسير، وكان أول من ألف فيها- فيما أعلم – هو عروة بن الزبير الذي صنف كتابه المغازي والسير (23).

2-    كتب الأطراف – وكان أول من ألف فيها – فيما أعلم – محمد بن سيرين الذي كتب أطراف حديث عبيدة السلماني(24) .

3-    السنن، وكان أول من ألف فيها – فيما أعلم – هو مكحول الشامي الذي صنف كتاب " السنن في الحديث " (25).

ويلاحظ أن كتابة السنة قد أخذت طورا أعمق في عهد التابعين منه في عهد الصحابة وأنها بدأت تأخذ طابعا خاصا ومساراً جديداً لكل مجموعة من الأحاديث، وأن التأليف المنهجي أخذ يبرز إلى ساحات العلم ولعل أول بادرة له كانت بكتاب السنن لمكحول الدمشقي، كما لا يخفى أن هذه المؤلفات هي مؤلفات لأنواع جديدة لم تكن في سلفهم من الصحابة كما أن تلك الأنواع التي كانت في عهد الصحابة قد ألف فيها التابعون (26)، ومن أشهر تلك المؤلفات ( صحيفة همام بن منبه ) والتي كتبها عن أبي هريرة، ونقلها المصنفون بعد ذلك في القرن الثاني وما بعده(27)وقد نقلها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في موضع واحد بسند واحد في أول الأحاديث (28).


 


(1) - جامع البيان العلم ص 84 – تقييد العلم ص 45-46 – العلم ص 144.

(2) - سنن الدارمي 1/121، جامع بيان العلم ص 84- تقييد العلم ص 48.

(3) - تقييد العلم ص 60.

(4) - العلم لزهير بن حرب ص 141.

(5) - سنن الدارمي 1/120- جامع بيان العلم ص 92- العلم ص 141-146.

(6) - سنن الدارمي 1/120.

(7) - جامع بيان العلم ص 85.

(8) - تقييد العلم، مقدمة المحقق ص 20.

(9) - جامع بيان العلم 2/144.

(10) - جامع بيان العلم وفضله 2/31.

(11) - مجلة الثقافة المصرية الصفحة 8-9 من العدد 352 في السنة السابعة، نقلا عن السنة قبل التدوين ص 323-325.

(12) - جامع بيان العلم ص 92.

(13) - تقييد العلم ص 98.

(14) - تقييد العلم ص 99- المحدث الفاصل ص 375.

(15) - العلم لزهير ص 144- طبقات ابن سعد 6/257.

(16) - سنن الدارمي 1/129.

(17) - السنة قبل التدوين ص 327.

(18) - سنن الدارمي 1/129.

(19) - سنن الدارمي 1/130.

(20) -جامع بيان العلم ص 95.

(21) - تقييد العلم 103، والآية 52 من سورة طه. المحدث الفاصل 372، شرح السنة 1/296.

(22) - سنن الدارمي 1/128، تقييد العلم ص 105.

(23) - كشف الظنون 2/1747.

(24) - جامع بيان العلم 2/9.

(25) - هدية العارفين 2/470- الفهرست لابن النديم 318.

(26) - كشف اللثام 1/132، وانظر أمثلة أخرى بكتاب دراسات في الحديث النبوي للدكتور محمد الأعظمي ( 1/143-167) فقد عرض لنماذج كثيرة من كتابة التابعين، والكتابة عنهم .

(27) - طبعت هذه الصحيفة بتحقيق الدكتور رفعت فوزي ونشرتها مكتبة الخانجي 1406هـ- 1985م .

(28) - المسند 2/314-319.