بحث عن بحث

 

التدوين الرسمي للسنة

 

من المعلوم أن السنة لم تدون تدوينا رسميا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دون القرآن، عدا ما دونه بعض الصحابة في صحف خاصة بهم – كما تقدم بيانه وفي عصر الخلفاء الراشدين كانت هناك محاولات لجمعها وتدوينها فقد عزم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على كتابة السنة وتدوينها ثم تراجع عن ذلك خشية أن تلتبس بكتاب الله عز وجل .

يقول عروة بن الزبير : ( إن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار عليه عامتهم بذلك ، فلبث عمر شهرا يستخير الله في ذلك شاكا فيه، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال : إني كنت قد ذكرت لكم من كتاب السنن ما قد علمتم، ثم تذكرت، فإذا أناس من أهل الكتاب قبلكم، قد كتبوا مع كتاب الله كتبا، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا، فترك كتاب السنن )(1) .

وهكذا ظلت السنة في عصر الصحابة محفوظة في صدورهم، ثم نقلوها إلى التابعين مشافهة وتلقينا كما تحملوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأول من فكر في جمع السنة وتدوينها رسميا من التابعين الخليفة العادل الورع التقي أمير المؤمنين : عمر بن عبدالعزيز ( 101هـ ) والذي قوى عزمه لجمع السنة عدة أسباب نوجزها فيما يلي (2):

1- أنه قد مر على القرآن الكريم زمن طويل، وحفظه من المسلمين خلق كثير ودون في مصاحف استقرت في الأمصار، وبهذا استقر القرآن في الصدور والمصاحف، وأصبح في مأمن من اللبس والشك، فلا حرج إذا في كتابة السنة وتدوينها.

2- موت الكثير من حفظة الحديث بمرور الزمن، وقلة الضبط وضعف ملكة الحفظ كلما تقدم الزمن بالناس .

3- كثرة المذاهب الدينية والسياسية التي عبثت بالحديث وكادت تذهب بالثقة فيه، الأمر الذي جعل العلماء يقومون بالدفاع عنه، ويعملون على حفظه بوسائل مختلفة كان من أهمها جمعة وتدوينه .

يشهد لذلك قول ابن شهاب الزهري ( 124هـ ) : ( لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها ولا نعرفها ما كتبت حديثا ولا أذنني في كتابته )(3) .

من أجل هذه الأسباب قوى عزم عمر بن عبدالعزيز على جمع السنة، والمحافظة عليها من الفناء والدرس ونقلها من الصدور إلى السطور والخروج بها إلى دائرة التدوين والتصنيف والجمع والدرس ولتصبح مرجعاً محفوظاً يرجع إليه من يريد الارتشاف من نبعها الصافي ومعينها الوافي .

فأمر عمر بن عبدالعزيز من يثق به في دينه وحفظه بكتابتها وتدوينها، وبذلك حقق عمر بن عبدالعزيز رغبة جده عمر بن الخطاب التي جاشت في نفسه مدة ثم عدل عنها خوفا من أن تلتبس بالقرآن أو يصرف الناس إليها .

روى البخاري في صحيحه في باب كيف يقبض العلم ( وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى أبي بكر بن حزم عامله على المدينة – انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه – فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم – ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً )(4).

وقد علق الحافظ ابن حجر على هذا الأثر بقوله : ( ويستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر بن عبد العزيز، وكان على رأس المائة الأولى، من ذهاب العلم بموت العلماء، رأى في تدوينه ضبطا له وإبقاء، وقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان هذه القصة بلفظ : كتب عمر بن عبدالعزيز إلى الآفاق : انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه ) (5).

وروى الإمام مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن : ( إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة أو حديث عمرة، أو نحو هذا فاكتبه لي فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ) (6).

وفي رواية أمره أن يكتب له العلم الذي عند عمرة بنت عبدالرحمن ( 98هـ ) والقاسم ابن محمد ( 107هـ ) فكتبه له (7).

كما أمر ابن شهاب الزهري ( 124هـ ) وغيره بجمع السنن (8)، وربما لم يكتف عمر بن عبدالعزيز بأمر من أمرهم بجمع الحديث، فأرسل كتبا إلى الآفاق يحث المسئولين فيها على تشجيع أهل العلم على دراسة السنة وإحيائها، ومن هذا ما يرويه عكرمة بن عمار قال : سمعت كتاب عمر بن عبدالعزيز يقول : ( أما بعد فأمروا أهل العلم أن ينتشروا في مساجدهم، فإن السنة كانت قد أميتت ) (9).

بل هناك أخبار تثبت أن عمر بن عبدالعزيز قد شارك العلماء في مناقشة بعض ما جمعوه ومن ذلك ما رواه أبو الزناد – عبدالله بن ذكوان القرشي ( 131هـ ) قال : ( رأيت عمر بن عبدالعزيز جمع الفقهاء فجمعوا له أشياء من السنن فإذا جاء الشيء الذي ليس العمل عليه، قال : هذه زيادة ليس العمل عليها ) (10).

من هنا يتبين لنا أن عمر بن عبدالعزيز قد بذل جهدا كبيرا في المحافظة على السنة مع قصر مدة خلافته، فقد طلب من أبي بكر بن حزم جمع الحديث، وأبو بكر هذا من أعلام عصره، قال فيه مالك بن أنس : ( ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مروءة ولا أتم حالا ... ولي المدينة والقضاء والموسم (11)وعنه قوله : " لم يكن عندنا أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر "(12)، وكان قد طلب منه أن يكتب إليه حديث عمرة بنت عبدالرحمن وهي خالته، نشأت في حجر عائشة، وكانت من أثبت التابعين في حديث عائشة رضي الله عنها )(13) .

وأما القاسم بن محمد بن أبي بكر ( 107هـ ) الذي ذكر في بعض الروايات فهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، عالم أهل زمانه، تلقى علمه عن عمته عائشة رضي الله عنها، وعائشة أم المؤمنين معروفة بعلمها وتعمقها في السنة وهي غنية عن التعريف .

وأما ابن شهاب أحد الذين شاركوا في الجمع والكتابة فهو أحد أعلام ذلك العصر كان قد كتب السنن وما جاء عن الصحابة أثناء طلبة العلم(14)، وكان ذا مكانة رفيعة، فقد روى عن أبي الزناد أنه قال : ( كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع ، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس ) (15).

وإذا كانت المنية قد اخترمت الخليفة الراشد الخامس قبل أن يرى الكتب التي جمعها أبو بكر – كما يذكر ذلك بعض العلماء (16)فإنه لم تفته أولى ثمار جهوده التي حققها ابن شهاب الزهري الذي يقول : ( أمرنا عمر بن عبدالعزيز بجمع السنن فكتبنا دفترا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتر )(17).

وعلى هذا يحمل ما قاله المؤرخون والعلماء ( أول من دون العلم ابن شهاب )(18) وله أن يفخر بعمله هذا فيقول : ( لم يدون هذا العلم أحد قبل تدويني )(19) .

وقد اعتبر علماء الحديث تدوين عمر بن عبدالعزيز هذا أول تدوين للحديث ورددوا في كتبهم هذه العبارة : ( وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبدالعزيز ونحوها )(20) .

ويفهم من هذا أن التدوين الرسمي كان في عهد عمر بن عبدالعزيز ، أما تقييد الحديث وحفظه في الصحف والرقاع والعظام فقد مارسه الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقطع بعد وفاته عليه الصلاة والسلام ، بل بقى جنبا إلى جنب مع الحفظ حتى قيض الله للحديث من يودعه المدونات الكبرى .

 


 


(1) - تقييد العلم ص 50- جامع بيان العلم 1/64.

(2) - عناية المسلمين بالسنة للدكتور الذهبي ص 18- دراسات في مناهج المحدثين ص 78-79.

(3) - تقييد العلم ص 108.

(4) - صحيح البخاري، كتاب العلم باب كيف يقبض العلم ( 1/234 ) فتح .

(5) - فتح الباري 1/194.

(6) - موطأ مالك، المقدمة لعبدالحي اللكنوي 13، تقييد العلم ص 105،سنن الدارمي ، المقدمة، باب من رخص في كتاب العلم 1/137.

(7) - مقدمة الجرح والتعديل ص 21، والمراد أن يكتب له حديث عمرة لأنها توفيت قبل سنة ( 99هـ) السنة التي تولى فيها عمر بن عبدالعزيز الخلافة وواضح هذا في الخبر الذي قبله .

(8) - جامع بيان العلم 1/76.

(9) - المحدث الفاصل ص 153- السنة قبل التدوين ص 330.

(10) - قبول الأخبار ص 30 نقلا عن السنة قبل التدوين ص 330.

(11) - تهذيب التهذيب 12/39.

(12) - تهذيب التهذيب 12/39.

(13) - تهذيب التهذيب 12/438، وقال سفيان بن عيينة: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبدالرحمن. انظر مقدمة الجرح والتعديل ص 45.

(14) - جامع بيان العلم 1/76.

(15) - جامع بيان العلم 1/73.

(16) - قواعد التحديث ص 47.

(17) - جامع بيان العلم 1/76.

(18) - جامع بيان العلم 1/76- حلية الأولياء 3/363.

(19) - الرسالة المستطرفة ص 4.

(20) - قواعد التحديث ص 71- توجيه النظر ص 7 وإرشاد الساري 1/14.