بحث عن بحث

 

السنة في عصر أتباع التابعين

 

تقدم أن وضع الحديث بدأ في عصر التابعين نتيجة للفتنة التي أدت إلى انقسام الأمة إلى أحزاب سياسية اتخذت شكلاً دينياً، وحاول كل قسم أن يدعم موقفه بوضع أحاديث على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلنا إن الصحابة والتابعين قاوموا الوضع ووقفوا في وجه أهل الأهواء والبدع وبينوا الصحيح من السقيم .

أما في عصر أتباع التابعين فقد كثر الوضع وازداد، وتفشى التحلل والكذب في الأمة، حتى اشتهرت بعض البلاد بوضع الأحاديث مثل ( العراق )(1)، التي سميت ( بدار الضرب ) تضرب فيها الأحاديث كما تضرب الدراهم، مما دعا الإمام مالك أن يقول : ( نزلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب : لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ) (2).

وكان ابن شهاب الزهري يقول : ( يخرج الحديث من عندنا شبرا فيعود لنا من العراق ذراعاً ) (3).

من هنا كانت الحاجة ماسة إلى وقفة جادة من علماء أتباع التابعين في وجه الوضاعين الذين اشتهروا بوضع الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

منهج النقد في عصر أتباع التابعين :

اتسع النقد في عصر أتباع التابعين، وظهر كثير من أئمة الحديث وجهابذته الذين كتبوا ما تحملوه، وحرروا ما حفظوه، وتكون عندهم رصيد ضخم من السنة النبوية، كما تعددت عندهم أسانيدها، واختلفت طرق روايتها، وقد أكسبهم كل ذلك خبرة تامة في نقد المتون وبصيرة ناقدة في أحوال الرواة، وقد تأسوا في ذلك بمنهج التابعين .

يقول ابن حبان : ( ثم أخذ عن هؤلاء – أي التابعين – مسلك الحديث وانتقاد الرجال، وحفظ السنن، والقدح في الضعفاء جماعة من أئمة المسلمين والفقهاء في الدين منهم : سفيان بن سعيد الثوري، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وعبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي، وحماد بن سلمة، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة في جماعة معهم).

إلا أن من أشدهم انتقاء للسنن وأكثرهم مواظبة عليها، حتى جعلوا ذلك صناعة لهم لا يشوبها بشيء آخر ثلاثة أنفس : مالك، والثوري، وشعبة(4) .

كان أئمة الحديث في عصر أتباع التابعين على جانب عظيم من الوعي والإطلاع، فقد كانوا يتحرون في نقل الأحاديث ولا يقبلون منها إلا ما عرفوا طريقها ورواتها، واطمأنوا إلى ثقتهم وعدالتهم، يشهد لذلك ما رواه ابن حبان بسنده عن مطرف بن عبدالله قال : أشهد لسمعت مالكا يقول : ( أدركت بهذا البلد مشيخة من أهل الصلاح والعبادة محدثون ما سمعت من واحد منهم حديثا قط، قيل : ولم يا أبا عبدالله ؟ قال : لم يكونوا يعرفون ما يحدثون ) (15).

وحذر الإمام مالك من أربعة أصناف لا يؤخذ عنهم الحديث، قال : ( لا يؤخذ العلم عن أربعة : رجل معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ورجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا أتهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، وشيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث به )(6).

كما أنهم تتبعوا الكذبة، وكشفوا عن نواياهم، وحذروا الناس منهم ومنعوهم من التحديث.

روى الإمام مسلم بسنده عن يحيى بن سعيد قال : ( سألت سفيان الثوري، وشعبة، ومالكا، وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثبتا في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه، قالوا : أخبر عنه أنه ليس بثبت )(7).

وروى مسلم عن عبدالله بن المبارك قال : قلت لسفيان الثوري: إن عباد بن كثير من تعرف حاله(8)، وإذا حدث جاء بأمر عظيم : فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه ؟ قال سفيان : بلى . قال عبدالله : فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد، أثنيت عليه في دينه، وأقول : لا تأخذوا عنه(9) .

وقال عبدالله بن المبارك : انتهيت إلى شعبة فقال : هذا عباد بن كثير فاحذروه(10).

وكان العلماء يحذرون طلاب العلم من الكتابة عن الضعفاء والمتروكين، يقول معاذ العنبري: كتبت إلى شعبة أسأله عن أبي شيبة قاضي واسط ، فكتب إلي : لا تكتب عنه شيئا، ومزق كتابي (11).

وكان الإمام شعبة بن الحجاج شديدا على الكذابين ، لا يتوانى عن إظهار عيوبهم، وفي هذا يقول غندر (12): ( رأيت شعبة راكبا على حمار، فقيل له : أين تريد يا أبا بسطام؟ فقال : أذهب فأستعدى على هذا يعني جعفر بن الزبير وضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة حديث كذب ) (13).

وكان أئمة الحديث في هذا العصر يحفظون الصحيح والضعيف والموضوع حتى لا يختلط عليهم الحديث، وليميزوا الخبيث من الطيب، وفي هذا يقول الإمام سفيان الثوري : ( إني لأروى الحديث على ثلاثة أوجه : أسمع الحديث من الرجل أتخذه دينا، وأسمع من الرجل أقف حديثه، وأسمع من الرجل لا أعبأ بحديثه وأحب معرفته ) (14).

وكثيراً ما كانوا يتذاكرون الحديث ويتدارسونه فيما بينهم، فيأخذون ما عرفوا ويتركون ما أنكروا، وفي هذا يقول الإمام الأوزاعي: ( كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزيف على الصيارفة، فما عرفوا منه أخذنا، وما تركوا تركناه )(15).

 


(1) لوقوع أكثر الفتن فيها بعد استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه .

(2) المنتقى من منهاج السنة : ص88.

(3) ضحى الإسلام : ج 2 ص 152.

(4) المجروحين لابن حبان : ج 1 ص40.

(5) المصدر السابق : ج 1 ص 42.

(6) انظر الجرح والتعديل : ج 1 ص 32، والكفاية : ص116.

(7) صحيح مسلم ، المقدمة، ج1ص 17.

(8) يعني أنت عارف بضعفه .

(9) صحيح مسلم، المقدمة ، ج 1ص 17.

(10) نفس المصدر والموضع .

(11) المصدر السابق : ج 1ص 23.

(12) هو : محمد بن جعفر المدني، البصري، المعروف بـ ( غندر ) بضم فسكون ففتح .

(13) تهذيب التهذيب : ج 2 ص 91.

(14) الكفاية للخطيب : ص 402.

(15) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم : ج 1ص 21.