بحث عن بحث

 

مسند الإمام أحمد ( 3-5 )

 

ما الذي جعل الإمام أحمد يدخل في المسند أحاديث ضعيفة ؟

لعل ذلك يعود إلى عدة أسباب ، منها :

 

1- أن يكون هذا الحديث أورده للمتابعة والاستشهاد ، يدل على ذلك قوله : ابن لهيعة ما كان حديثه بذاك ، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال ، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشده ، لا أنه حجة إذا انفرد .

وقال : كنت لا أكتب حديث جابر الجعفي ، ثم كتبته اعتبر به (1)

وتقدم قول ابن تيمية ، والحافظ ابن حجر : والضعاف إنما يورده للمتابعات .

2 - أن يكون الحديث في فضائل الأعمال ، أو المغازي و نحوها : لما روى النوفلي عنه أنه قال : إذا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد ، وإذا روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الأعمال ، وما لا يضع حكما أو يرفعه ، تساهلنا في الأسانيد .

وقال : الأحاديث الرقائق يحتمل أن يتساهل فيها ، حتى يجئ فيه حكم (2)

3 - أو أن هذا الحديث الضعيف لا يوجد في الباب غيره ، ولم يرد خلافه ، لما روي عنه أنه قال : والحديث الضعيف أحب إلي من الرأي .

وفي رواية : ضعيف الحديث أحب إلينا من رأي الرجال (3)

وقال ابن القيم : وللضعيف عنده مراتب ، إذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ، ولا قول صاحب ، ولا إجماع على خلافه ، كان العمل به عنده أولى من القياس (4).

4 - وقد يكون كتبه لينظر فيه ، وتوفي قبل أن يخرجه من المسند ، أو أمر بإخراجه ونسي ، كما قال الحافظ ابن حجر فيما سلف : وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد ، أخرجها ، ثم صار يضرب عليها شيئا فشيئا ، وبقي منها بعده بقية .

وذكر إخراجه لحديث ضعيف ، ثم قال : والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه ، فترك سهوا ، أو ضُرب وكُتب من تحت الضرب (5).

5 - وقد يكون هذا الضعيف ثقة عنده ، وإن كان ضعيفا عند غيره .

معنى الضعيف عند الإمام أحمد .

تقدم أن الإمام أحمد يأخذ بالحديث الضعيف أحيانا ، لكن الضعيف الذي يحتج به الإمام أحمد هو الحسن في عرف المتأخرين أو قريب منه ، وليس مراده الضعيف على ما اشتهر عند من جاء بعده

قال ابن تيمية : ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين : صحيح وضعيف . والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به وإلى ضعيف حسن كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك .

وأول من عرف أنه قسم الحديث ثلاثة أقسام - صحيح وحسن وضعيف - هو أبو عيسى الترمذي في جامعه . والحسن عنده ما تعددت طرقه ولم يكن في رواته متهم وليس بشاذ . فهذا الحديث وأمثاله يسميه أحمد ضعيفا ويحتج به ولهذا مثل أحمد الحديث الضعيف الذي يحتج به بحديث عمرو بن شعيب وحديث إبراهيم الهجري ونحوهما . (6)

وقال ابن رجب : ومراده بالضعيف قريب من مراد الترمذي بالحسن (7).

 

هل في المسند أحاديث موضوعة ؟

أول من أشار إلى وجود أحاديث موضوعة في المسند الإمام ابن الجوزي ، حيث أورد في كتابه الموضوعات ( 38 ) حديثا من المسند ، وذكر أنها موضوعة .

وتقدم قول الإمام الذهبي:وفيه أحاديث شبه موضوعة ، وقال العراقي:فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء (8).

وبالغ ابن دحية في ذلك ، فقال عن أحاديث المسند : أكثرها لا يحل الاحتجاج به (9).

وقد رد على هذه الدعوى غير واحد .

فأنكر أبو العلاء الهمذاني أن يكون في المسند حديث موضوع .

وعرض ابن تيمية لقول ابن الجوزي والهمذاني ، ثم قال : ولا منافاة بين القولين . فإن الموضوع في اصطلاح أبي الفرج هو الذي قام دليل على أنه باطل وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب ، بل غلط فيه ، ولهذا روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع ، وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره وقالوا إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل ، بل بينوا ثبوت بعض ذلك لكن الغالب على ما ذكره في الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء .

وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله فإنما يريدون بالموضوع المختلق المصنوع الذي تعمد صاحبه الكذب(10)

 هذا وقد ألف الحافظ ابن حجر جزءا سماه : ( القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد ) وذكر فيه الأحاديث الموضوعة والواهية التي انتقدت في مسند الإمام أحمد ، وأجاب عنها ، ولكن لا تخلو إجابته في بعض المواضع من نظر ، إذ حسن أحاديث كان قد حكم عليها بالوضع بعض الأئمة ، وليس أدل علي هذا مما قاله الحافظ ابن حجر في كتابه : ( تعجيل المنفعة ) : (( ليس في المسند حديث لا أصل له

 إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة ، منها : حديث عبد الرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة حبوا ، والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوا )) ومع هذا فقد حاول الحافظ نفي الوضع عنه .


(1) ــ شرح علل الترمذي ( 1 / 385 ) .

(2) ــ الكفاية ص 213

(3) ــ القول البديع ص 255 .

(4) ــ إعلام الموقعين ( 1 / 31 ) .

(5) ــ القول المسدد ص 23 .

(6) ــ مجموع الفتاوى ( 18 / 25 ) .

(7) ــ شرح العلل ص 259 .

(8) ــ التقييد والإيضاح ص 57 .

(9) ــ النكت للزركشي ( 1 / 354 ) .

(10) ــ مجموع الفتاوى ( 1 / 248 ).