بحث عن بحث

                                 الجامع الصحيح للإمام البخاري(2-20)

 

خامسا : كما أودع ثمرة هذا كله في كتبه المختلفة التي ألفها في علوم الحديث والفقه(1) ، ومن أهم هذه المؤلفات : الجامع الصحيح ، والمسند الكبير،والأدب المفرد،والتاريخ الصغير والكبير،والتفسير الكبير.

والجامع الصحيح ، والتاريخ الكبير : يدلان دلالة كبيرة على علمه الواسع بالرواية والدراية في علوم الحديث ، والأول يدل على علمه بالفقه .

أما (الجامع الصحيح ):فإنه وإن لم يحص فيه جميع الأحاديث الصحيحة ، كما سنعرف بعد قليل ، وإنما انتقى فيه بعضها ــ فقد أودع فيه مادة تدل على سعة علمه وحفظه ــ وطبيعي أنه لا يمكنه الاختيار والانتقاء ، كما فعل في هذا الكتاب إلا إذا كانت عنده مادة حديثيه كبيرة تمكنه من الاختيار والموازنة والمقارنة ، كما أثبت في هذا الكتاب اتجاها فقهيا قد يختلف كثيرا عن الاتجاهات التي سبقته أو عاصرته ، كما سنعرف إن شاء الله تعالى.

وأما كتابه ( التاريخ الكبير ):ففيه أكثر من اثنتي عشرة ألف ترجمة للرواة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى عصره.

سادسا : وشهادات أئمة الحديث له ــ وما أكثرها ــ تحمل في طياتها مقدار علم الرجل وسبقه في ميادين علوم الحديث ، سماه الإمام مسلم : " سيد المحدثين ، وطبيب الحديث في علله " ، ويقول الإمام الترمذي : " لم أر أحدا بالعراق ، ولا بخراسان في فهم العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل " ، وقال ابن خزيمه  : " ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من البخاري"(2) .

وقصته مع أهل بغداد تدل على سعة علمه ، كما تدل على ذكائه وقوة حافظته :

لما قدم بغداد اجتمع عليه علماؤها وأرادوا امتحانه ، فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ــ يعني جعلوا متن هذا لإسناد ذاك ، وإسناد ذاك لمتن هذا ــ ثم أعطوا كل واحد منهم عشرة أحاديث منها ، فألقى عليه الأول العشرة التي عنده ، فكان كلما ذكر حديثا قال له البخاري : لا أعرفه  وهكذا حتى انتهى العشرة من سرد ما عندهم ، فصار الجهلاء من الحاضرين يحكمون على البخاري في أنفسهم بالعجز والتقصير ، وأما العلماء منهم فيقولون : فهم الرجل ، ثم التفت البخاري إلى الأول ، فقال له : أما حديثك الأول فصحته كذا ، وأما حديثك الثاني فصحته كذا ، حتى انتهى من أحاديثه العشرة ، ثم التفت إلى الثاني والثالث وهكذا إلى العاشر ، يذكر الحديث المقلوب ، ثم يذكر صحته ، فلم يجد علماء بغداد بدا من الاعتراف له بالحفظ والتبريز والإحاطة.

والعجيب ــ كما قال ابن حجر ــ هو سرده للأحاديث على الترتيب الذي سمعه من الممتحنين مرة واحدة ، إن هذا ولا شك ــ كما قدمنا ــ يدل على حافظة قوية ، وبديهة حاضرة ، وحفظ متمكن (3) .


(1)  ــ انظر إحصاء بتآليف البخاري عند ابن حجر في هدي الساري ص492 ــ 494 .

(2)  ــ هدي الساري ص486 .

(3)  ــ هدي الساري ص 487 .